سامي شرف
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed سامي شرف
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
سامي شرف
الصورة الجماهيرية للزعيم جمال عبد الناصر
الصورة الجماهيرية للزعيم جمال عبد الناصر
وذكر فإن الذكرى قد تنفع المؤمنين


  
غدا.. ذكرى ميلاد الزعيم
بقلم/ سامي شرف
نشر منذ: سنتين و 9 أشهر و يومين
الأربعاء 14 يناير-كانون الثاني 2015 11:50 م


وضع الرئيس جمال عبد الناصر إصبعه على حقيقة مشكلة مصر منذ الأيام الأولى لقيام ثورة 23 يوليو 52 كما عبر عنها بوضوح فى كتابه «فلسفة الثورة»،وهى التى بدا أنها تشكل الجوهر، اى التنمية .

لقد قال ناحوم جولدمان لبن جوريون عندما سأله اذا ما كان قرأ هذا الكتاب، فرد بن جوريون انه عبارة عن انشاء وكلام عاطفى فرد جولدمان بانه لم يقرأ جوهر الكتاب وهو تنمية مصرالتى تعنى فى كلمتين دمار اسرائيل ـ التى آمن بها عبدالناصر من قبل قيام الثورة ، وهى بناء المجتمع السليم الذى ينتفى فيه اغتراب الفرد ويختفى منه التسلط سواء الملك أو الإقطاعى أو الرأسمالى المحتكر الذى كان يستغل الشريحة الكبرى من المواطنين ويفرض على العامل أكثر من خمسين ساعة عمل أسبوعيا مقابل أجر لا يتجاوز جنيهين لا يكفيانه هو وأسرته .

كان قرار الرئيس هو طريق الحرية السياسية والحرية الاقتصادية ، وقال عبدالناصر لقد ذهبنا إلى عدد من قادة الرأى من مختلف الطبقات والعقائد وقلنا لهم : ضعوا للبلد دستورا يصون مقدساته، وكانت لجنة وضع الدستور ومن أجل ضمان الحياة الاقتصادية فى المستقبل ذهبنا إلى أكبر الأساتذة فى مختلف نواحى الخبرة وقلنا لهم : نظموا للبلد رخاءه واضمنوا لقمة العيش لكل فرد فيه ، وكان مجلس الإنتاج. تلك حدودنا لم نتعدها إزالة الصخور والعقبات من الطريق مهما يكن الثمن واجبنا . والعمل المستقبل من كل نواحيه مفتوح لكل ذوى الرأى والخبرة فرض لازم عليهم وليس لنا أن نستأثر به دونهم ، بل إن مهمتنا تقتضى أن نسعى لجمعهم من أجل مستقبل مصر . . مصر القوية المتحررة.

دستور 1956

وجاء فى دستور 1956 من مقدمة نصت على أن الثورة مسئولة عن تحقيق عدالة اجتماعية وأن التضامن الاجتماعى أساس المجتمع وان مصر دولة عربية وان السيادة للأمة ، وجاءت مجموعة من المواد ترسم المعالم الاقتصادية للمجتمع الجديد وهى : المادة السابعة : « ينظم الاقتصاد القومى وفقا لخطط مرسومة تراعى فيها مبادئ العدالة الاجتماعية وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة» .

المادة الثامنة : «النشاط الاقتصادى الخاص حر على ألا يضر بمصلحة المجتمع أو يخل بأمن الناس أو يعتدى على حريتهم وكرامتهم ».

المادة التاسعة : «يستخدم رأس المال فى خدمة الاقتصاد القومى ، ولا يجوز أن يتعارض فى طرق استخدامه مع الخير العام للشعب .»

المادة العاشرة : يكفل القانون التوافق بين النشاط الاقتصادى العام والنشاط الاقتصادى الخاص تحقيقا للأهداف الاجتماعية ورخاء الشعب.

المادة الحادية عشرة : الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية ، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون .

المادة السابعة عشرة : تعمل الدولة على أن تيسر للمواطنين جميعا مستوى لائقا من المعيشة ، أساسه تهيئة الغذاء والسكن والخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية.

المادة الثانية والعشرين : « العدالة الاجتماعية أساس الضرائب والتكاليف العامة . والعناصر التى تضمنتها المادة السابعة عشرة هى نفس العناصر التى بدأ الفكر التنموى يتجه إليها فى الستينيات .

وفى أعقاب الوحدة ، صدر فى دمشق فى الخامس من مارس 1958 الدستور المؤقت وتضمن نفس المبادئ مع شيء من إعادة الترتيب حيث تقدمت المادة السابعة لتصبح المادة الرابعة بينما تقدمت المادة الحادية عشرة إلى الترتيب الخامس ، وأصبحت المادة 22 هى المادة رقم 6 . وأصبح بعد ذلك يتردد ، وما زال حتى اليوم ـ يكتب او تنتشر فى بعض الفضائيات ـ أن ثورة يوليو 52 بما أتت به من اشتراكية ومن تغليب للاعتبارات الاجتماعية على القواعد الاقتصادية السليمة اعترضت مسيرة ناجحة للاقتصاد المصرى وقضت على مبادرات فردية كان يمكن أن تقود البلاد إلى نهضة اقتصادية تجنبنا ما نعانيه الآن من مآزق اقتصادية . هذه الآراء تتذرع أيضا بأننا نعود مضطرين إلى السيرة السابقة على عهد الثورة ، وبأن تجارب يقال أنها مشابهة لما انتهجته فى الستينيات، قد انتهت إلى الفشل . وقد يكون من المناسب ان نقدم خير دليل على فساد هذه المقولات مجموعة مقالات كتبها أحد الاقتصاديين البارزين ثم جمعها فى كتاب طبع فى بداية الخمسينيات وهو الدكتور محمد على رفعت الذى كان من غلاة المتحمسين لنظام السوق إلى درجة تجعل صندوق النقد الدولى يتوارى خجلا، قد يكون من المناسب أن نقتبس بعض عبارات الدكتور محمد رفعت وهى تلخص آراءه تحت عنوان « الأوضاع الاقتصادية عشية الثورة» ، فأوضح بجلاء ما يلى :

أولا : فساد السياسات الاقتصادية ، وتدهور الأوضاع ، وتزايد العجز .

ثانيا : قصور مدخرات الأفراد واتجاه معظمها للمضاربات العقارية .

ثالثا : نقص الاستثمارات الأجنبية على المستوى العالمى نتيجة لما خلفته الحرب العالمية ، والمطالبة بضمانات ومحفزات له بعد زوال الامتيازات الأجنبية سنة 1937 رابعا : لم يتضح أو يرد مصطلح التنمية إلا بعد قيام ثورة يوليو 52 وتوجيهها الاهتمام إلى هذه القضية التى أصبحت الشغل الشاغل لكل الدول التى حصلت على استقلالها بعد الحرب العالمية والتى خصصت لها الأمم المتحدة نشاطا قائما بذاته من خلال برنامج التنمية وعددا من الدراسات لمتطلبات تنمية اقتصاديات الدول المتخلفة .

تحرير البلاد من التبعية

كما قدم الدكتور عبد المنعم القيسونى وزير الاقتصاد الأسبق ـ وهو من الاقتصاديين المؤمنين أيضا بما يسمى النظام الليبرالى ، بيانا أمام مجلس الأمة فى 27 أغسطس1957 وجاء فيه. «وبمراجعة تاريخ مصر الاقتصادى فى السنوات الماضية ، نجد أن معدل زيادة السكان كان دائما يلاحق النمو فى الإنتاج القومى ويمتصه ، وأنه كان ثمة ثلاث فرص تهيأ فيها الاقتصاد المصرى للنهوض والوصول إلى درجة التقدم المستمر لولا سوء الأداة الحكومية وفساد النظام السياسى . كانت الفرصة الأولى فى مستهل هذا القرن عندما أنشئ خزان أسوان ، وحدث ما يمكن تسميته بالثورة الزراعية الأولى ، وزادت رؤوس الأموال فى مصر ، ولكن الفرصة ضاعت بسبب المضاربة وسوء التقدير فضلا عن العوامل الخارجية مما أحدث أزمة شديدة سنة 1907 .

وكانت الفرصة الثانية فى العقد الثالث من هذا القرن بعد أن تجمعت أرصدة خارجية فى فترة الحرب العالمية الأولى ، ثم زاد الطلب على القطن وارتفعت أسعاره وحدث توسع فى الخدمات العامة وارتفع مستوى الدخل الفردى ارتفاعا ملموسا وبمعدل أكثر من معدل زيادة السكان ، ولكن الزيادة فى الثروة كانت سيئة التوزيع وتجمعت فى أيد قليلة وكان النفوذ الأجنبى هو المستفيد فرهن الأراضى الزراعية وتمكن من الاقتصاد القومى ، جاءت الأزمة العالمية فعجزت البلاد عن مجابهتها وضاعت الفرصة الثانية للنمو .

أما الفرصة الثالثة فكانت بعد الحرب العالمية الثانية التى نقص الاستهلاك خلالها نقصا كبيرا وادخرت البلاد أرصدة أجنبية ، ثم ارتفعت أسعار القطن بفعل عوامل سياسية خارجية فزادت الصادرات زيادة كبيرة ، وكان يمكن لحكومة رشيدة أن تفيد من هذه الفرصة لكى تثبت أقدام الاقتصاد القومى وتوجهه وجهة التنمية المطردة ، ولكن الأرصدة بعثرت وتمت مضاربات فردية فى أقوات الناس وثروات الشعب وتصارعت الأهواء والصراعات السياسية الداخلية ما بين الملك والاحتلال البريطانى والأحزاب فضاعت الفرصة الثالثة .

والمعنى الذى يستشف من بيان الدكتور القيسونى هو أن الفرص تقاس بما يتجمع لدى الدولة من موارد مالية ، وهو الرأى الذى ساد بين الاقتصاديين لفترة طويلة ، والذى جعل الالتجاء إلى التمويل الأجنبى ضرورة يفرضها نقص رؤوس الأموال المحلية .ولم يوضح أحد من هؤلاء السادة كيف أن رأس المال الأجنبى الذى تمتلكه الدول الغنية (الاستعمارية) يمكن أن يتحول بين عشية وضحاها من أداة سيطرة إلى أداة بناء صرح الاقتصاد المتحرر !

كان الرأى السائد بين الاقتصاديين التقليديين والأكاديميين أن الاستعمار أضر باقتصاديات المستعمرات، والاستقلال السياسى يمكنها من تحرير تلك الاقتصاديات من التبعية .

وكانت التجربة العملية التى خاضها الرئيس جمال عبد الناصر بثورة 23يولو1952 موضحة للحقائق بالبيان العملى وليس بالاستدلال النظرى .

ووفقا للمنهج الذى حدده جمال عبد الناصر ، قائد الثورة ، جرى من البداية إصدار عدد من القرارات استهدفت القضاء على الإقطاع والاحتكار ، وكان فى مقدمتها قانون الإصلاح الزراعى وتنظيم الإيجارات التى أنهت تسلط الملاك على المنتجين والمستأجرين فى الريف والمدينة ، وحدّت بالتالى من المبالغة فى التكالب على الملكية العقارية وما يترتب على ذلك من عزوف المدخرات الخاصة عن الدخول فى مجالات الإنتاج المثمر ، وبخاصة الصناعى ، وتحمل مخاطره .

أما بالنسبة لرأس المال الأجنبى فقد بادرت الثورة ـ بعد أسبوع واحد من قيامها ـ وفى يوم 30 يوليو1952 ، بالاستجابة لنصائح الاقتصاديين الذين كانوا يرون أن قانون الشركات المساهمة (138لسنة1947) لا يشجع المستثمرين الأجانب لأنه يحرمهم غالبية الملكية فأصدرت المرسوم بقانون رقم 130 لسنة1952 بتعديل المادة السادسة من ذلك القانون وكانت تنص على ألا تزيد نسبة رأس المال الأجنبى فى الشركات المساهمة على 49% فأصبحت تنص على أنه يجب تخصيص 49% على الأقل من أسهم الشركات المساهمة للمصريين عند التأسيس أو زيادة رأس المال .

على أن أهم خطوة فى هذا الشأن كانت إصدار القانون رقم 156لسنة 1953 فى 2إبريل سنة 1953 والذى حدد أسلوب معاملة رأس المال الأجنبي. لقد كانت مساهمة رأس المال الأجنبى خلال الأعوام 54و55و56 مذهلة فلقد دخل مجالين اثنين فقط هما صناعة الأحذية والسياحة . وخلال هذه السنوات أيضا استثمر 440ألف جنيه فقط أى أنه بعد هذه القوانين التشجيعية لم يستثمر من رأس المال الأجنبى فى مصر إلا أقل من نصف مليون جنيه .

استعان مجلس الإنتاج بأكبر بيوت للخبرة لعمل مسح شامل لمصر بهدف وضع خطة صناعية تفصيلية للمشروعات الإنتاجية اللازمة للنهوض بالاقتصاد ووضع الخبراء الخطة ووسائل الحصول على الطاقة من كهربة خزان أسوان كما وضعوا مشروعات للنقل واستغلال الثروات المعدنية وبدا تنفيذ خطة العمل الصناعى وأعلن عن الاكتتاب للمساهمة فى الشركات الجديدة بدعم من الحكومة وهى المساهم الأول ، وقامت عدة مشروعات خدمية حيوية لعل أهمها توليد الكهرباء من خزان أسوان ـ ذلك المشروع الذى كان واجب تنفيذه منذ سنة 1912 ـ بقرار مجلس الثورة فى نوفمبر 1952 وبدأ العمل فيه بواسطة شركة فرنسية فى أغسطس سنة 1953 ثم بدأ إنشاء مصنع سماد أسوان ومعمل تكرير بترول بالإسكندرية وتوسيع معامل التكرير ومد خط أنابيب من السويس للقاهرة وبدا فى الوقت ذاته التصنيع الحربى وبناء الترسانة البحرية وكهربة خط سكك حديد حلوان وحرمت الدولة القمار وأصدرت القوانين العمالية وقانون التعاون وأنشئت الوحدات المجمعة فى القرى لتكون مجمعا لوحدات علاجية صحية وبيطرية وزراعية وتعليمية . وبنيت مدرسة كل ثلاثة أيام ، وأقيم مجلس أعلى لرعاية الفنون وآخر للعلوم وثالث للشباب كما أنشئت لجنة الطاقة النووية للأغراض السلمية . وبدأت خطوات تقريب الفوارق بين الطبقات فخفضت إيجارات المساكن أكثر من مرة وأقيمت المساكن الشعبية التى يستطيع المواطن فعلا أن يسكنها لا أن يتفرج عليها ويتحسر لأنه لا يستطيع أن يقترب منها لا أن يسكنها أو يتملكها . وتم شق كورنيش النيل بطول القاهرة كلها . وفى عام 1957 بعث مشروع التصنيع الثقيل وقامت به شركة ديماج الألمانية ـ بذلت أمريكا وإسرائيل جهودهما لعدم إتمام التعاقد مع ألمانيا حتى لا تتوجه مصر نحو التصنيع الثقيل ـ وفى يوليو1959 افتتح الرئيس جمال عبد الناصر مصنع الحديد والصلب فى حلوان وصرح بقوله :

« إن إقامة صناعة الحديد والصلب فى بلدنا كانت دائما حلما نعتقد أنه بعيد المنال ، واليوم حققنا هذا الحلم » .

وفى عام 1954 بدأت الثورة بتمصير الاقتصاد ووضع لبنات قيام صناعة مصرية وكان تمصير شركة « جريشام» للتأمين على الحياة هو نقطة البداية التى أعقبها صدور أمر عسكرى فى نوفمبر 1956 بفرض الحراسة على المؤسسات البريطانية والفرنسية الدولتين المعتديتين بعد أن جمدت بريطانيا الأرصدة المصرية لديها ، والتى بلغت 1500 مؤسسة من بينها بنوك وشركات للتأمين وشركات البترول ثم أنشئت المؤسسة الاقتصادية بعد ذلك .وفى 14 يناير أيضا صدر قانونان الأول يقصر مزاولة أعمال الوكالة التجارية على المصريين والثانى بإنشاء مجلس التخطيط الأعلى ولجنة التخطيط القومى ، وبعدها صدر قرار جمهورى بوجوب استخدام اللغة العربية فى جميع العقود والسجلات والمحاضر وفرض غرامة على من يخالف القرار .

والذين يتحدثون عن العجز فى الميزان التجارى الذى أحدثته الثورة بعد أن كان هناك فائض يغالطون معتمدين على أن أحدا لن يبحث وراء أكاذيبهم فيعود إلى الخمسينيات وقبل قيام الثورة . والحقيقة أن العجز فى الميزان التجارى 1951 بلغ 39 مليون جنيه بالضبط ، وبلغ عام 1952 حوالى 73 مليون جنيه بسبب انتكاس سوق القطن ، وفى عام 1953 بلغ العجز 37 مليون جنيه بسبب الحد من استيراد الكماليات وفتح أسواق للمنتجات المصرية ، ثم انخفض العجز عام 1954 إلى 20 مليون جنيه وهكذا .

ويقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعى فى مؤلفه « ثورة يوليو52 » انه حين تسلمت الثورة خزانة الحكومة وجدت عجزا بالميزانية 25 مليون جنيه واحتياطيا هبط من 75 مليونا إلى 16 مليون جنيه نقدا وفى أعقاب حريق القاهرة فى 26يناير 1952 تم تهريب 126 مليون جنيه وكانت خزانة الحكومة المصرية مدينة للبنك الأهلى بنحو خمسة ملايين جنيه .

فى بداية الثورة كان تعداد مصر حوالى 20 مليون نسمة ونسبة الزيادة السكانية بمعدل 8و2% سنويا وكان الاقتصاد يعتمد أساسا على الزراعة ـ حوالى 6ملايين فدان ـ تكفى احتياجات الغذاء فى إطار نمط الاستهلاك فى ذلك الوقت فى مستوى معيشى منخفض والمحصول الرئيسى هو القطن يصدر أكثر من 80% منه للخارج والباقى يستخدم فى صناعات مبتدئة تنتج المنسوجات التى تستهلك محليا .

وبالنسبة للصناعة فقد كانت هناك بعض مصانع للغزل والنسيج ومصانع للسكر ومعاصر زيوت ومصنعان للأسمنت ومصتنع لسماد الفوسفات وآخر للسماد الآزوتى . وثلاثة مصانع صغيرة لإنتاج حديد التسليح من الخردة وبعض المصانع اليدوية والحرفية . وفى عام 1952 كانت نسبة الإنتاج الصناعى إلى الإنتاج القومى أقل من 10 % وكانت مصر تعتمد على الاستيراد لمعظم احتياجاتها من الخارج من السلع المصنعة ـ القلم الرصاص والورق والسماد والثلاجة والراديو . . الخ حتى المنسوجات القطنية أو الصوفية كانت تستورد . كانت فرص العمل محدودة ومتوسط الأجور قروش ، والبطالة بين خريجى الجامعة رغم عددهم المحدود ، لكل هذه الأسباب كان التصنيع عنصرا أساسيا لتقف التنمية على قدمين .

وفى خلال شهور ستة من منتصف سنة 1956 شكلت لجان متخصصة لوضع خطة صناعية ومشروع قانون التنظيم الصناعى .

وكان تكليف الرئيس جمال عبد الناصر للدكتور عزيز صدقى للقيام بهذه المهمة التاريخية الخطيرة .

شكلت اللجان من خبراء مصريين من الذين برزت كفايتهم فى مجلسى الإنتاج والخدمات من قبل كما ضمت أيضا جميع الكفاءات العلمية والاقتصادية والفنية ورجال القانون ، وعملت ليل نهار تحت قيادة الدكتور عزيز صدقي. وعندما عرض الدكتور عزيز صدقى نتائج أعمال اللجان على الرئيس جمال عبد الناصر ، لم يوافق على مشروع القانون ولا على الخطة وطلب أن يطرح ما استقرت عليه اللجان لنقاش ودراسة أكثر توسعا وتم ذلك فعلا . ولقد عارض اتحاد الصناعات الممثل للرأسمالية الكبيرة فى ذلك الوقت وفى مذكرة مكتوبة تدخل الدولة فى الصناعة ، وعارض رؤساء شركات الغزل ـ وهم من كبار الرأسماليين أيضا ـ أن تتضمن الخطة إنشاء مصانع جديدة للغزل والنسيج بحجة أن الموجود منها يكفى احتياجات البلاد وزيادة ، وكان لمنطق هؤلاء ما يبرره ألا وهو النظرة الضيقة لمصالحهم الخاصة .

تصنيع مصر

وبعد حوار طويل وواسع من المناقشة خارج مجلس الوزراء وداخله تم وضع الخطة وإقرارها وكلف الرئيس جمال عبد الناصر الدكتور عزيز صدقى بأن يعقد مؤتمرا صحفيا بعد انتهاء مجلس الوزراء ليعلن فيه لأول مرة عن تصنيع مصر وفق خطة متكاملة تشرف عليها الدولة . إن الذين يتحدثون عن الخير العميم الذى شهدته البلاد قبل الثورة يريدون أن يتناسوا حقائق التاريخ ، فبعد أن كنا نستورد تقريبا كل شيء أصبحنا نعتمد على أنفسنا وننتج معظم ما نحتاجه . أقيمت مصانع الحديد والصلب والألومنيوم والترسانات البحرية والسيارات واللوارى والإطارات والأسمنت والأسمدة والغزل والنسيج . . الخ . ولولا هذه القاعدة الإنتاجية الضخمة التى أقامتها الثورة وإتاحة فرص العمل للملايين من أبناء الشعب لما أمكن تحقيق العدالة الاجتماعية التى كانت هدفا رئيسيا لثورة يوليو52 . وصدرت التشريعات العمالية لتعيد للعامل حقه بتحديد ساعات العمل والحد الأدنى للأجور والتأمين الصحى والتأمين الاجتماعى وإتاحة الفرص للتعليم للغالبية العظمى من أفراد الشعب الذين كانوا محرومين من هذا الحق قبل الثورة . لا يمكن الحديث عن ثورة يوليو و الصناعة دون الحديث عن القطاع العام الذى بدأ بتمصير بعض المصالح الأجنبية بعد تأميم قناة السويس ، ثم قامت الدولة منذ عام 1960 بإجراء بعض التأميمات ثم صدرت القوانين الأساسية التى عرفت باسم القوانين الاشتراكية فى يوليو سنة 1961 . بهذه الإجراءات تكون القطاع العام وبدأ ينمو بمكون أساسى الشركات المؤممة، ثم أقامت الدولة مشروعات وشركات بأموالها تنفيذا لبرامج التصنيع المتتالية . إن الجزء الذى يمثل ما أمم من أصول بالنسبة إلى القطاع العام اليوم لا يمثل أكثر من 15 % أو 20% بل إنه ليس حتى فى هذه الشركات آلة واحدة مما كان قائما وقت التأميم لأن عمليات التجديد والإحلال والتوسع المستمرة طورت هذه المصانع إلى ما هى عليه اليوم فمثلا بالنسبة لشركة غزل المحلة أو كفر الدوار للغزل أو مصانع السكر فإن حجم الإنتاج قد تضاعف عدة مرات عما كان عليه عند التأميم ، وتم هذا نتيجة لتنفيذ برامج الصناعة المتوالية و التى تولت الدولة توفير الاستثمارات اللازمة لها . إذن الدولة هى التى مولت هذه المشروعات ولذلك فهى صاحبة الحق فى إدارتها لا لحساب فرد أو أفراد بل لمصلحة الشعب كله . واجهت مصر الثورة مأزق ضرورة التنمية ، فبعد تدليل رأس المال الأجنبى ، وبعد أن أوقدت مصر أصابعها العشرة شموعا للقطاعين الخاص والأجنبى لكى يشتركا فى التنمية الجادة صناعية أو زراعية كانت المحصلة النهائية لا شيء يذكر .

زيادة الثروة الوطنية

ومن هنا فقد رأى الرئيس جمال عبد الناصر أن العمل من أجل زيادة قاعدة الثروة الوطنية لا يمكن أن يترك لعفوية رأس المال الخاص المستغل ونزعاته ، كذلك فإن إعادة توزيع فائض العمل الوطنى على أساس من العدل لا يمكن أن يتم بالتطوع القائم على حسن النية مهما صدقت. وأن الأهمية الكبرى المعلقة على دور القطاع العام لا يمكن أن تلغى وجود القطاع الخاص ، فالقطاع الخاص له دوره الفعال فى خطة التنمية من أجل التقدم ، ولابد له من الحماية التى تكفل له دوره وهو مطالب فى نفس الوقت بتجديد و تطوير نفسه ، وبأن يشق طريقا من الجهد الخلاق لا يعتمد كما كان فى الماضى على الاستغلال الطفيلى عن طريقين : أولهما : خلق قطاع عام قوى وقادر يقود التقدم فى جميع المجالات ويتحمل الرئيسية فى خطة التنمية . ثانيهما : وجود قطاع خاص يشارك فى التنمية فى إطار الخطة الشاملة لها من غير استغلال على أن تكون رقابة الشعب شاملة القطاعين معا ، مسيطرة عليهما معا . بلغت القيمة السوقية للشركات المؤممة عام 1961 مبلغ 258 مليون جنيه، بينما بلغ تقدير رأس المال الثابت لوحدات القطاع العام الصناعية فقط عام 1972 مبلغ 2050 مليون جنيه. أحب بعد هذا الحديث المطول عن التنمية فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر أن استشهد بحديث مهم للدكتور عزيز صدقى الذى يعتبر بحق مهندس الصناعة المصرية الحديثة عن تجربته منذ 1965 حتى صار رئيسا لوزراء مصر فى عهد الرئيس السادات ولن أضيف حرفا من عندياتى مكتفيا بشهادته الواضحة الصريحة التى تغنى عن التعليق أو المقارنة. الدكتور عزيز صدقى رئيس الوزراء السابق ومهندس التصنيع المصرى أدلى بالتصريحات التالية فى لقاء تم بنقابة الصحفيين يوم 17 نوفمبر 2002 ونشرته جريدة العربى فى العدد 836 بتاريخ 24 نوفمبر 2002. » هاجم الدكتور عزيز صدقى القطاع الخاص ورجال الأعمال الذين نهبوا البنوك ولم يقدموا أى جهد لتحقيق التنمية خلال عشرين عاما الماضية على عكس ما تدعيه الحكومة من أن القطاع الخاص يقود التنمية فى مصر ، وقلل من أهمية الاستثمارات الأجنبية التى وجهت لشراء شركات القطاع العام الرابحة بدلا من إقامة مشروعات جديدة وأدان الخصخصة التى أوقفت جميع خطوط التنمية وأغلقت العديد من المصانع والشركات الناجحة . أعرب عزيز صدقى عن حزنه لما آل إليه حال الصناعة المصرية منذ طبقت سياسة الانفتاح الاقتصادى التى هدمت ما تم بناؤه خلال سنوات عديدة مطالبا بتعليق المشانق لمن كانوا وراء بيع بعض الشركات المهمة مثل شركة قها والمهزلة التى صاحبت عملية البيع حين قام أحد المستثمرين بشرائها بالأجل وبعد شهرين لم يسدد أقساطها مما اضطر الحكومة إلى استردادها وإدارتها . حكى بعد ذلك أن الرئيس السادات عيّن عيسى شاهين وزيرا للصناعة فى تلك المرحلة، وأخبره السادات أنه من الآن لن تجدد آلات أى شركة من شركات القطاع العام والدولة لن تخضع أى أموال، وقال السادات : اللى عايز يجيب آلات جديدة يلجأ للمستثمر الأجنبى ، واجتمع الوزير برؤساء الشركات وأطلعهم على كلام السادات واعترضوا على سياسة التحول ، ورد الوزير : السادات عايز كده . وقال صدقى : لقد قيدنا الصناعة المحلية ومنعناها من الانطلاق والفترة التى انفتح فيها الاقتصاد على مصراعيه كانت مديونية مصر فى عهد عاطف صدقى تقدر ب 46 مليار دولار.

طالب عزيز صدقى الحكومة بالاعتراف وفتح بعد ذلك النار على وزراء استشرى بينهم ، وقال : كيف يمكن لوزير أن يكوّن ثروة تصل إلى عشرة ملايين جنيه بعد ثلاث سنوات فقط من توليه المنصب والقانون يحظر على الوزراء ممارسة أى أعمال تجارية ، وألمح إلى قيام أحد الوزراء بإسناد عقود تابعة للوزارة لأحد المكاتب الاستشارية الخاصة بأحد أقاربه بقيمة 7 مليارات جنيه قدر ربحه منها بمليار جنيه على الأقل . واتهم القطاع الخاص بالتقصير ، وقال : لقد ترك القطاع الخاص يقود التنمية لمدة عشرين عاما ولم يفعل شيئا ، ولم يخرج أى رجل أعمال مليما من جيبه ليستثمر بها ، وأيضا فنحن قلنا إن القطاع العام سيحقق التنمية وبالفعل حدث ، وأن فترة الحكم التى تولاها عبد الناصر 14 عاما تحقق فيها إنجازات كبيرة وان قرار التصنيع كان قرار عبد الناصر فهو صاحب الفكرة وليس أنا . وطالب عزيز صدقى بضرورة إعادة النظر فى جميع السياسات على أن تكون الأولوية لتشغيل المصانع.

تشويه عبد الناصر

انتقل بعد ذلك إلى كتابات تحرف عمدا وبإصرار حقائق موثقة ومنشورة بقصد تشويه صورة عبد الناصر وغسيل صورة غيره، هى مسألة الحرب بمعنى مقاومة الاحتلال وليس الحرب للحرب وكذلك السلام بمعنى حكاية الاتصال بالعدو الصهيونى لتغطية عملية استسلامية ما كان جمال عبد الناصر حتى يفكر فيها على سبيل المناورة أو بما يسمى بالعمل السياسى أو خيار السلام يريدون أن يحشروا فى دماغ المتلقى ما يفيد أن السادات حقق ما كان عبد الناصر يسعى إلى الوصول إليه بل ذهب البعض لأبعد من هذا الوصف بقولهم إن السادات سابق عصره وبطل الحرب والسلام . . . الخ ونسوا انه القائل ان حرب 73 هى آخر الحروب وأن 99% من اوراق اللعبة فى إيد أمريكا ورسالة حافظ اسماعيل لكيسينجر يوم العبور بأن العملية محدودة ولا توسع أو تعمق فى العبور ! ! ! !

وهذه هى الحقائق التى تدحض ما أراد كتاب المقالات أن يصلوا إليه، لمن لا يعرف الحقائق :

من أقوال الرئيس جمال عبد الناصر عن موقف مصر من الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة سنة 1967.

1ـ خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى عيد العمال ـ أول مايو سنة 1969

« . . . ويجب أن تعلم الدنيا كلها أنهم إذا لم ينسحبوا فإننا سوف نقاتلهم إلى آخر رجل عندهم و إلى آخر رجل عندنا» .

لن نقبل بهذا الأمر الواقع . . لن نقبل بهذا الأمر الواقع ، ولن نسكت أيها الاخوة ، ولن نلين ، فإما انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة وإما القتال المستمر . . ليس فى هذا الموضوع سياسة ، ولا يمكن أن نتكلم فى الموضوع «كلام سياسى» فيه مداورة . . إنه موضوع أرض . . موضوع وطن . . موضوع شرف . . موضوع حياة . . ليست أرضنا وحدها ولكنها الأرض العربية . . وليس وطننا وحده ولكنه الوطن العربى الكبير ، وشرفنا ، وحياتنا جزء لا يتجزأ من حياة أمتنا العربية

أقول من هذا المكان آن الأوان للأمة العربية كلها أن تحشد قواها . . الكلام مافيهش فائدة . . الخطب لن تحارب . . نريد أن نحشد الأمة العربية كلها لتكون هناك جبهة شرقية من جميع الدول العربية فى الشرق ، وجبهة غربية من جميع الدول العربية الموجودة فى الغرب .

الأمة لم تحشد قواها ، ولا نصف قواها ، ولا ربع قواها حتى الآن

. ولقد أرادوا لنا أن نخرج وحدنا من المعركة ، أراد العدو وأراد أصدقاء العدو أن نخرج وحدنا من المعركة ، وقالوا إننا إذا حصرنا المشكلة فى مشكلة بين مصر وإسرائيل ، فإن إسرائيل على استعداد للانسحاب من سيناء وبهذا نخرج من المشكلة وليس لنا دخل بما يحدث فى الأردن أو ما يحدث فى سوريا

أيها الأخوة لقد عرض علينا هذا الكلام فى العام الماضى ، وتكلمت معنا أمريكا فى هذا الموضوع أن تكون المشكلة مشكلة مصرية إسرائيلية . . مشكلة أردنية إسرائيلية ، ولكننا نفهم أن معنى هذا الكلام أننا إذا خرجنا وحدنا من المعركة ، وإذا وصلنا إلى حل من أجل أرضنا المحتلة فى سيناء فإن معنى هذا أيها الاخوة أننا نضحى بالضفة الغربية . . نضحى بالقدس ، ونحن قد عاهدنا أنفسنا وعاهدنا الله أننا لن نضحى بالضفة الغربية ، ولن نضحى بالقدس ، ولكننا نريد أن ننهى آثار العدوان من كل الأراضى العربية المحتلة، سواء كانت فى مصر فى سيناء أو فى الأردن فى الضفة الغربية أو فى القدس أو فى سوريا فى الجولان .

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
أشرف الريفي
إبراهيم الحمدي وتمسح العاجزين
أشرف الريفي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
د. أحمد محمد قاسم عتيق
الاحتفال ب14 أكتوبر يؤكد على إيمان اليمنيين بواحدية المصير
د. أحمد محمد قاسم عتيق
مدارات
عبدالله السناوي
معنى جمال عبدالناصر
عبدالله السناوي
محمد مغلس
ما لم يدركه الحوثيون
محمد مغلس
فتحي أبو النصر
عن الاخضرار الذي يخنق حتى الهواء!
فتحي أبو النصر
أحمد طارش خرصان
صديقي الذي فقَدتٌّه
أحمد طارش خرصان
عمرو  صابح
لماذا عاش عبد الناصر ومات نظامه؟!!
عمرو صابح
سليمان السقاف
عملاق من كوكب اخر
سليمان السقاف
المزيد