صبحي غندور
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed صبحي غندور
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
صبحي غندور
المثقّف العربي.. وسؤال ما العمل!
في ليالي العرب الظلماء .. نفتقدك يا ناصر
عن ثورة 23 يوليو: القيادة والفكر والأداة
مأساة عربية ثلاثية الأبعاد
أوباما.. من أزمة مع نتنياهو إلى تأزم مع موسكو!
حين يتباكى الغرب على مصير «الإسلام السياسي»
الأمل بجيلٍ عربيٍّ مثقّف وملتزم
أين التيّار العروبي التوحيدي؟!
هل وصل العرب إلى قعر المنحدر؟!
زيارة أوباما تهيئة لمناخ التّفاهمات مع موسكو!


  
في ذكرى ميلادك يا ناصر
بقلم/ صبحي غندور
نشر منذ: 10 أشهر و 23 يوماً
الأربعاء 16 يناير-كانون الثاني 2019 12:06 م


يعتبر البعض أنّ الكتابة عن ناصر هي مجرد حنين عاطفي لمرحلة ولّت ولن تعود، بينما يُغرق هذا البعض الأمَّة في خلافاتٍ ورواياتٍ وأحاديث عمرها أكثر من 14 قرناً، والهدف منها ليس إعادة نهضة الأمَّة العربية، بل تقسيمها إلى دويلات طائفية ومذهبية تتناسب مع الإصرار الإسرائيلي على تحصيل اعتراف فلسطيني وعربي بالهُويّة اليهودية لدولة إسرائيل، بحيث تكون "الدولة اليهودية" نموذجاً لدويلات دينية ومذهبية منشودة في المنطقة كلّها!.

نعم يا جمال عبد الناصر، فنحن نعيش الآن، في ذكرى ميلادك ال 101 (15/1/1918)، نتائج "الزمن الإسرائيلي" الذي جرى اعتماده بعد رحيلك المفاجئ عام 1970، ثمّ بعد الانقلاب الذي حدث على "زمن القومية العربية"، والذي كانت مصر تقوده في عقديْ الخمسينات والستّينات من القرن الماضي. فاليوم يشهد معظم بلاد العرب "حوادث عنف تقسيمية" و"أحاديث طائفية ومذهبية وإثنية" لتفتيت الأوطان نفسها.. لا الهويّة العربية وحدها.

هو "زمنٌ إسرائيلي" نعيشه الآن يا ناصر على مستوى العالم أيضاً. فعصر "كتلة عدم الانحياز لأحد المعسكرين الدوليين"، الذي كانت مصر رائدته، تحّول إلى عصر صراع "الشرق الإسلامي" مع "الغرب المسيحي"، بينما يستمر تهميش "الصراع العربي/الصهيوني"، وفي هاتين الحالتين، المكاسب الإسرائيلية ضخمة جداً!.

لقد أتت المنيّة ناصر (بفعل قدري أو بجريمة تسميم) وهو يجتهد ويُجاهد لوقف الصراعات العربية التي تفجّر بعضها آنذاك دمّاً في شوارع الأردن، بين الجيش الأردني والمنظمّات الفلسطينية. وكان ذلك نابعاً من حرصه الشديد على التضامن العربي الفعّال الذي بناه في قمّة الخرطوم عقب حرب العام 1967، حيث وضعت هذه القمّة حدّاً لمرحلة الصراعات العربية، كما بدأ بعدها ما عُرف باسم "إستراتجية إزالة آثار العدوان وأولويّة المعركة مع إسرائيل".

رحمك الله يا جمال عبد الناصر، فقد كنت تكرّر دائماً: " غزَّة والضفَّة والقدس قبل سيناء.. والجولان قبل سيناء"، وأدركتَ أنَّ قوّة مصر هي في عروبتها، وأنَّ أمن مصر لا ينفصل عن أمن مشرق الأمَّة العربية ومغربها ووادي نيلها الممتد في العمق الإفريقي.

رحمك الله يا جمال عبد الناصر، فأنت رفضت إعطاء أي أفضلية لعائلتك وأبنائك، لا في المدارس والجامعات ولا في الأعمال والحياة العامة، فكيف بالسياسة والحكم!! وتوفّيت يا ناصر وزوجتك لا تملك المنزل الذي كانت تعيش فيه، فكنت نموذجاً قيادياً عظيماً بينما ينخر الفساد الآن في معظم مؤسّسات الحكم بالعالم.

اليوم، نجد واقعاً عربياً مغايراً لما كان عليه العرب في أيامك يا ناصر.. اليوم أُستبدلت "الهويّة العربية" بالهويّات الطائفية والمذهبية ولصالح الحروب والانقسامات الوطنية الداخلية. اليوم تزداد الصراعات العربية البينية بينما ينشط "التطبيع مع إسرائيل"!!.

اليوم تتحقّق في المنطقة العربية أهداف سياسية كانت مطلوبة إسرائيلياً ودولياً من حرب 1967.. فالأرض العربية بعد غيابك يا ناصر راحت تتشقّق لتخرج من بين أوحالها مظاهر التفتّت الداخلي كلّها، وكذلك الصراعات المحليّة المسلّحة بأسماء طائفيّة أو مذهبية، ولتبدأ ظاهرة التآكل العربي الداخلي كبدايةٍ لازمة لمطلب السيطرة الخارجية والصهيونية.

البعض في المنطقة العربية وجد الحلَّ في العودة إلى "عصر الجاهلية" وصراعاتها القبلية، تحت أسماء وشعارات دينية، وهو يستهزئ بالحديث الآن عن "حقبة ناصر" التي ولّت!!. وبعضٌ عربيٌّ آخر رأى "نموذجه" في الحلّ بعودة البلاد العربية إلى مرحلة ما قبل عصرك يا ناصر، أي العقود الأولى من القرن العشرين التي تميّزت بتحكّم وهيمنة الغرب على الشرق! فهكذا هو واقع حال العرب اليوم بعد غيابك يا عبد الناصر: نصف قرن من الانحدار المتواصل!. نعم مصر تغيّرت، والمنطقة العربية تغيّرت، والعالم بأسره شهد ويشهد متغيّراتٍ جذرية في عموم المجالات .. لكن ما لم يتغيّر هو طبيعة التحدّيات المستمرّة على العرب منذ مائة سنة، هي عمر التوأمة والتزامن بين "وعد بلفور" وبين تفتيت المنطقة وتقسيمها لصالح القوى الكبرى آنذاك وفق اتفاقيات "سايكس-بيكو"!.

***

ولو جاز لي يا عبد الناصر أن أستخلص من أحاديثك وخطبك ومن "ميثاقك الوطني" ما العرب بحاجة إليه الآن من ترشيدٍ فكري وسياسي، لوضعت العناصر التالية المستوحاة من وثائقك:

* رفض العنف الدموي كوسيلةٍ للتغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن أو لأي عمل وحدوي أو قومي.

* الدعوة إلى الحرّية، بمفهومها الشامل لحرّية الوطن ولحرّية المواطن، وبأنّ المواطنة الحرّة لا تتحقّق في بلدٍ مستعبَد أو محتَل أو مسيطَر عليه من الخارج. كذلك، فإنّ التحرّر من الاحتلال لا يكفي دون ضمانات الحرّية للمواطن، وهي تكون على وجهين؛ الوجه السياسي: الذي يتطلّب بناء مجتمعٍ ديمقراطي مدني سليم تتحقّق فيه المشاركة الشعبية في الحكم، وتتوفّر فيه حرّية الفكر والمعتقد والتعبير، وتسود فيه الرقابة الشعبية وسلطة القضاء. أمّا الوجه الاجتماعي: فيتطلّب بناء عدالةٍ اجتماعيةٍ تقوم على تعزيز الإنتاج الوطني والعدالة في توزيع الثروات الوطنية وتوفير فرص العمل والعلم لجميع المواطنين.

* المساواة بين جميع المواطنين بغضّ النظر عن خصوصياتهم الدينية أو الإثنية، والعمل لتعزيز الوحدة الوطنية الشعبية التي من دونها ينهار المجتمع ولا تتحقّق الحرّية السياسية أو العدالة الاجتماعية أو التحرّر من الهيمنة الخارجية.

* اعتماد سياسة عدم الانحياز لأيٍّ من القوى الكبرى ورفض الارتباط بأحلافٍ عسكرية أو سياسية تقيّد الوطن ولا تحميه، تنزع إرادته الوطنية المستقلّة ولا تحقّق أمنه الوطني.

* مفهوم الانتماء المتعدّد للوطن ضمن الهويّة الواحدة له. فمصر مثلاً تنتمي إلى دوائرَ إفريقية وآسيوية وإسلامية ومتوسطيّة، لكن مصر - مثلها مثل أيّ بلدٍ عربيٍّ آخر- ذات هويّة عربية وتشترك في الانتماء مع سائر البلاد العربية الأخرى إلى أمّةٍ عربيةٍ ذات ثقافةٍ واحدة ومضمونٍ حضاريٍّ مشترَك.

* إنّ الطريق إلى التكامل العربي أو الاتحاد بين البلدان العربية لا يتحقّق من خلال الفرض أو القوّة بل (كما قال ناصر): "إنّ اشتراط الدعوة السلمية واشتراط الإجماع الشعبي ليس مجرّد تمسّك بأسلوبٍ مثالي في العمل الوطني، وإنّما هو فوق ذلك، ومعه، ضرورة لازمة للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعوب العربية".

* وقف الصراعات العربية/العربية، وبناء تضامنٍ عربي فعّال يحقّق للعرب مشاركة مطلوبة في تقرير مصير قضاياهم مع جوارهم الإقليمي ومع الدول الكبرى.

هذه باختصار مجموعة خلاصات أراها في وثائق تجربة حياة جمال عبد الناصر، خاصّةً في حقبة نضوجها بعد حرب عام 1967. لكن أين المنطقة العربية الآن من ذلك كلّه!؟.

مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

 
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
د. ياسين سعيد نعمان
إنهاء الحرب.. بين جذر الأزمة والبعد الإنساني
د. ياسين سعيد نعمان
مدارات
محمد عبد الوهاب الشيباني
شارع المطاعم الذي يشبهنا !!
محمد عبد الوهاب الشيباني
د. علي مهيوب العسلي
فكرة الانتقال .. ألا تدل على الفشل..؟!
د. علي مهيوب العسلي
د. محمد علي السقاف
حتى لا تغطي الشجرة على الغابة في الأزمة اليمنية
د. محمد علي السقاف
د. ياسين سعيد نعمان
حتى لا ننسى
د. ياسين سعيد نعمان
فاطمة الاغبري
من وراء القضبان .. عمار طوق نجاة للفقراء والمساكين
فاطمة الاغبري
قادري أحمد حيدر
ما معنى التعددية الثقافية (2-2)
قادري أحمد حيدر
المزيد