فائز عبده
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed فائز عبده
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
فائز عبده
13 يناير.. 31 عاماً
معضلة التشكيك
اليمن الجريح يعاني من أزمة اختفاء الدواء
اليمن الجريح يعاني من أزمة اختفاء الدواء
عن معاناة العاطلين وخياراتهم
غلطة الشاطر..
عن الفرز المذهبي الخطير
نعيٌ متأخرٌ لفارسٍ ترجَّل باكراً
التصحيح.. حاجةٌ يمنيةٌ راهنةٌ
اليمنيون بين الحوارات العصية والحروب العبثية
ازدواجية النخبة اليمنية!


  
فصلٌ من سيرة أمي
بقلم/ فائز عبده
نشر منذ: 3 سنوات و 8 أشهر و يومين
الخميس 20 مارس - آذار 2014 07:35 م


الطفلة التي فقدت والدتها، وهي لم تزل في عامها الـ4، حظيت وقتذاك بزوجة أبٍ مختلفةٍ عما هو متعارفٌ عليه بشأن أولئك النسوة اللائي عادةً ما يتعاملن بقسوةٍ وضغينةٍ مع أولاد الزوج .

لقد تعاملت المرأة الوافدة على الأسرة، بلطفٍ وإحسانٍ، مع الطفلة وشقيقتها الرضيعة، التي تيتّمت في شهورها الأولى، وساهمت "الخالة" في تربية الشقيقتين، ورعايتهما، حتى بعد أن أنجبت أطفالاً إخوةً لهما من أبيهما .

تلك الطفلة عاشت، بدايةً، متخفِّفةً من الشعور بالفقدان. ذلك أنها لم تكن تستوعب حينها سوى القليل مما يجري حولها؛ نظراً لصغر سنها، ولظروف المحيط الأمي الذي يحتضنها، إضافةً إلى أنها حصلت على أمٍّ بديلةٍ عوّضتها عن أمها المتوفاة في ظروفٍ غايةً في السوء والبؤس .

البؤس والحرمان كانا من أبرز مظاهر حياة الطفلة، حتى في كبرها. فلقد عانت ضمن المجتمع الريفي الذي تنتمي إليه، من شظف العيش والفقر والأمراض الفتاكة والجهل والعزلة. وتلك هي أبرز معالم عهد ما قبل الثورة اليمنية عام 1962، التي خلّصت الشعب اليمني من حكم الأئمة المتخلف .

كبرت الطفلة، قليلاً، وبدأت، تدريجياً، وبحسب الحال، بمساعدة والدها في العمل في الأرض، فضلاً عن أعمال المنزل. وقبل أن تبلغ الـ8، كانت مستعدةً، وربما مضطرةً، رغم ضآلة جسدها، لمرافقة الوالد في الأعمال البعيدة عن البيت، وعن القرية أيضاً، حيث كان الرجل يذهب إلى مناطق بعيدةٍ، ليشتري "القات"، ويعود إلى البيت لتجهيزه، قبل أن يسافر إلى السوق لبيعه والعودة إلى القرية بما يقدر عليه من متطلباتٍ واحتياجاتٍ له ولبعض الأهالي. وكانت الفتاة تحمل فوق رأسها الصغير، "قفةً" كبيرةً ممتلئةً بأعواد "القات"، أو مشترياتٍ مما يطلب الأهالي جلبه من السوق .

لم تكن الفتاة مجرد مرافقةٍ يُعتمد عليها، بل كانت مشاركةً أصيلةً في معظم رحلات والدها المكافح، التي كان يقوم بها، رفقة آخرين، بشكلٍ شبه يوميّ، سيراً على الأقدام الحافية، التي لم يعد يقلقهم تفطّرها بعد اعتيادهم على الأمر .

رحلاتهم الشاقة تلك، لم تكن تتوقف إلا لتبدأ من جديدٍ، وكانوا خلالها يجوبون المناطق، في مختلف الاتجاهات، يطوون الوديان وينزلون السهول، يصعدون جبالاً ويهبطون من أخرى، يقطعون السوائل، ويعبرون القرى والمخالف، لا يستريحون من رحلةٍ إلا ليستعدوا لرحلةٍ جديدةٍ، ينطلقون مع زقزقة العصافير في البكور، وغبش الأسحار، ويمشون تحت أشعة الشمس الحارقة أو أمزان المطر صيفاً، ولا تعوقهم برودة الشتاء. يسرون أشطاراً من ليالٍ، في ضوء "الفوانيس"، أو تحت نور القمر .

لم تشعر الفتاة بعملية الانتقال من سن الطفولة إلى مرحلة الشباب؛ هذه المرة بسبب الجهد نفسه والشقاء الذي امتد طيلة سنواتٍ، لا فرق فيه بين سنةٍ وأخرى، غير أنه يكبر كلما كبرت، ويزيد مع مرور السنين، في رحلة كفاحٍ طويلةٍ وقاسيةٍ، انتهت عشية زفافها، لتبدأ لاحقاً رحلة كفاحٍ أخرى، مع زوجها، من أجل تربية أولادهما، ورعايتهم، وغمرهم بحنانٍ وعطفٍ افتقدتهما، ولطالما كانت بحاجةٍ إليهما في كلّ سنةٍ من سني عمرها، وفي كلّ مرحلةٍ من حياتها المتعَبة.. وظلت، مع ذلك، قنوعةً راضيةً، غير متطلبةٍ ولا شاكيةٍ، تؤثر على نفسها، وتخفي حاجتها، تهتم لغيرها، وتكتم أنتها .

كان هذا فصلاً من سيرة وحياة امرأةٍ نالت من الدنيا الكثير من التعب والعناء، وحصلت على القليل من البهجة والهناء.. تلك هي أمي "زهر" التي تحدّت الصعاب لتعيش كزهرةٍ وسط الأشواك. أمي التي لم أجد وصفاً يفيها حقها لأضيفه، لذا سأكتفي باعتبارها أمي فقط، وأفخر بأنها أمي التي لا مثيل لها في الوجود.

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
د. علي مهيوب العسلي
محاولة الاصطياد الفاشلة في المقابلة التلفزيونية لمحامي الشعب
د. علي مهيوب العسلي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
علي عبدالملك الشيباني
مشروع الاشغال العامة كان الاجدر بهذا المخصص!!
علي عبدالملك الشيباني
مدارات
نقولا ناصر
حركة فتح بين خيارين
نقولا ناصر
محمد الحاج سالم
حتى في ظل الفصل السابع ما زال الابتزاز شاهراً سيفه
محمد الحاج سالم
رمزي المضرحي
شياطين «القات» ثمانية..!!
رمزي المضرحي
شهاب محرم
ذكرى الكرامة.. يوم الزلزلة
شهاب محرم
د.عبد الودود الزبيري
فريق التنمية المستدامة ووهم التأسيس للتنمية المستقبلية ...!!!
د.عبد الودود الزبيري
جمال الغيطاني
الفتوحات بين اليمن ومصر
جمال الغيطاني
المزيد