أحمد طارش خرصان
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed أحمد طارش خرصان
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
أحمد طارش خرصان
في بلاط القاتل
نزاهة الجلاد
الربادي في الذكرى الرابعة والعشرين لرحيله
الورع لابساً بزَّته العسكرية
أنا في إب...
رحلت أم الناصريين..
التاريخ لا يرحم
من على كتف مثقل بالمواجع
من يوميات إب
صداع المدينة المزمن


  
كائنان لا ينقصهما الخلود
بقلم/ أحمد طارش خرصان
نشر منذ: شهرين و 11 يوماً
الثلاثاء 12 سبتمبر-أيلول 2017 04:27 م


أسمع صوتها وهو يخترق كنسيم وبهدوء بالغ الدفء - كلما ضغطت زر الرد على المكالمة - الجدران السميكة لعالمٍ ، لا يبدو أنه سيكف عن إهدار فرصنا بحياةٍ أقلّ ضغينة وأكثر ألفة ومحبة .

أسمع أمي كلما تناهبتني الملمات وداهمتني غوائل الأيام ، لتكون دعواتها الحارس الأمين والمرافق الأكثر حرصاً عليَّ ، في هذا الدرب الشائك والمكتظ بالخيارات السيئة .

لدي أمُّ تراني بعين روحها ، وترى فيَّ ما يذكرها برجل غادرها قبل ثلاثة أعوامٍ ، دون أن يقول لها وداعاً ، لتعيش على بقايا صوته وهو يمنحها حنانه وألفته ومحبته وأسئلةً ، مازالت ترِنّ في أرجاء الغرفة البسيطة بحقائبها الكثيرة : عاد معك علاج حق الضغط .....؟

أبدو قوياً وغير قابل للكسر والقسر ، إذْ

لا يمكن لأي قوة - مهما بلغت أسلحتها - الإقتراب من رجل ترافقه دعوات أمه .

كنت أرقبها وهي تجلس إلى جوار والدي رحمه الله ، وكأنهما يستعيدان ألق لحظاتهما المترعة بكل ما هو جميل وجدير بالتذكر ، مثل عاشقين أظنهما يكملان دورة العشق والتوحد ويتناوبان على تقاسم وجع الحياة وترف الأيام المحبطة .

في منزلنا الذي كان يضج بحركة الكائنات ، كان صوت إب الجهوري يحدث من الجلبة ما يترك لدى العابر الغريب من أمام منزلنا انطباعاً ، أن ثمة سوق شعبي لا يعرف الهجوع طيلة أيام الأسبوع .

تحتفظ ذاكرتي بمشاهد لا زالت حية لعاشقين ، تمكنا من التغلب على قساوة الأيام ، وتدرجا في مقامات العشق حتى بلغا متشابكي الأيدي والقلوب ذروتها ، لينقشا سيرتهما على مداخل أرواحنا - كأبناء - ها نحن اليوم نقف على أعتاب ذكرى رحيل والدي الثالثة رحمه الله تعالى ، وتأوهات امي وتنهداتها المصحوبة بالدعاء لوالدي بالرحمة والغفران .

عاش والدي حياته مثل أي يمني رفقة الكدح والتعب والأحلام التي لم تتحقق ، وقدم في رحلته الطويلة سرديةً لرجلٍ ، ضغط على زناد الإصرار والطموح والتحدي ليصيب الهدف وينجح في الإفلات من فخاخ الوهن واليأس والفشل .

لم تتمكن حياته الممتلئة بالبؤس والتعب من النيل من روحه ، وتجريده من توقه وشغفه بحياة ، اختصرها والدي - رحمه الله - بشربة ماء وعودي قات ، واستطاع بوقار بالغ الفرادة من حمْل ماضيه البائس وإعادة صباغته بطريقة أبعد ما تكون عن ذكرياته الموجعة والمؤلمة ، وهي الطريقة التي نجح فيها والدي من الإنتصار على أيامنا القاسية فيما بعد .

لم يكترث أبي - رحمة الله تغشاه - لمرضه في الأيام الأخيرة وضرب عرض الحائط بكل مواعيد تناوله للأدوية الخاصة بقلبه المعتل ، وهو الذي لم يعهد عنه أن اشتكى - قبل ذلك - من أي وجعٍ ، والذي دفعني تمرده إلى عمل نوبات حراسة يومية تشرف على إعطائه الأدوية بانتظام ، رغم محاولاته الإفلات مثل تلميذٍ مشاكس من إجراءاتي الصارمة ، والتي أثمرتْ تحسناً ملحوظاً في حالته الصحية وتعافيه شبه التام من مرضه .

تقضي أمّي أيامها رفقة أمراض الضغط وهشاشة العظام وأخيراً إنزلاق في عمودها الفقري إضافة إلى مرض الحنين الذي خلفه رحيل والدي فجأة قبل ثلاثة أعوام ، لتكون محاصرةً بحياةٍ سيئة المذاق ، حرمتها من إكمال ما تبقى من حياتها رفقة رجلٍ ، أنفق عمره بين يديها ولم يترك مساحة ما من روحها ، إلَّا وملأها بحضوره وتواجده ، متى علمنا أن زواجهما تم عقب تجربة فاشلة لم تستمر طويلاً، لتنتهي بعد أشهر معدودة ، دون أن يحدثني أبي ذات يوم عن تجربته السابقة وأسباب فشلها ، لكنه كان يحدث نفسه - كما أحسب - عقب زواجه بأمي ، مطلقاً هذه العبارة ( هذا تماماً ما خططت له ) ، برغم أن والدي لم يرابط تحت شرفة منزلها ، فهو لم يكن بحاجة لإثبات رغبته وتفانيه في الإرتباط بها كزوج أبديٍ ، في مجتمع قرويٍ اختزل شرط نجاح الإرتباط والزواج في أن يكون الزوج ( أحمر عين ورجال ) .

لم بكتسب والدي أيّ عداوات في حياته ، حتى الضغائن والأحقاد لم تجد الطريق ممهداً إلى قلبه ، وكثيراً ما كان يتغلب على العداوات الطارئة بتسامحه المعهود وضحكته المجلجلة ، وبيقين من لا يحمل التزاماً لمفاهيم التفوق والنصر والهزيمة ، ولعل فلسفته تلك وطريقته في إدارة الإنطباعات السيئة والمواقف الفجائية الغاضبة ، منحته توصيفاً مجتمعياً لا يكاد يختلف عليه أحد ( أطيب من محمد طارش ما بوش ) .٠

تمر الأيام سريعاً لكنها - شيئا فشيئاً- تبدو أكثر كرماً وقد أعادت إليَّ - ولو بتطابق أقلّ - أبي رحمة الله تغشاه ، كلما تمعنت في أخي الأصغر مني ، وهو يمارس حياته ( حركاته .. خطواته ... صوته ... وحتى أسلوب حياته وتعامله اللا إرادي مع من حوله ) ، كثيراً ما أرمقه بمحبة وامتنان كأخٍ ، وجد والده - رحمه الله - في أخيه الواقف هناك بتسامحه المتوارث وَنَهَمِه الشديد وشغفه غير المحدود بالقات وبطقوس تجعل الجالس هناك أبي... لا أخي ياسر.

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
د. علي مهيوب العسلي
محاولة الاصطياد الفاشلة في المقابلة التلفزيونية لمحامي الشعب
د. علي مهيوب العسلي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
صقر الصنيدي
القارب الأخير
صقر الصنيدي
مدارات
معاذ المقطري
سبتمبر والإحياء الزيدي
معاذ المقطري
محمد جميح
هل اتضحت الصورة؟
محمد جميح
باسم الحكيمي
ما ورى لقاء صالح وعبدالملك الحوثي
باسم الحكيمي
حسن عبدالوارث
من أول السطر..
حسن عبدالوارث
فتحي أبو النصر
مواطنة دستورية وليس أقلية وأكثرية
فتحي أبو النصر
محمود ياسين
سبتمبر: الحق الإنساني الذي لا يحتاج لأسانيد
محمود ياسين
المزيد