دستوريات ( 2 )
د. عبدالله سعيد الذُّبحاني
د. عبدالله سعيد الذُّبحاني
يشيع بيننا، في حياتنا العامة واليومية، استعمال لفظ دستور. ومع ذلك غالبا ما ينصرف الذهن عند سماع (دستور) إلى ربطه بالدولة، كقانون حاكم لها؛ الأمر الذي يتطلب معرفة طبيعة ونوعية الصلة بين الدستور والدولة. غير إن الولوج إلى جوهر هذه الصلة/العلاقة بين الدستور والدولة، تقتضي منا تحديد ما نقصده بالدولة (بمدلولها اللغوي والمفاهيمي/التصوري والمؤسسي) حين حديثنا وربطنا فيما بينها وبين الدستور الذي يختص بها؛ وهو أمر هام ومفيد للغاية يستوجب استحضاره ذهنيا عند وضع الدستور أولا، وكذا في فهمه وتحليله تاليا. 
في أصل كلمة دولة:
1-في البحث عن أصل كلمة دولة، نجد أن أصلها اللغوي في العربية هو من الفعل (دال، يدول، دوالا) وهو في معناه كالفعل (دار، يدور، دورانا). وفي ذلك تقول العرب (دارت عليه الدوائر، ودالت عليه الدوائل) والدائلة/الدائرة هي الداهية والمصيبة. من هنا، فإن كلمة الدولة تحمل معني (التغير/التداول/التعاقب/غير الثابت/غير المستقر) كما في الآية الكريمة (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس)، والآية (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُم (، وقول الشاعر الاندلسي (هِيَ الأُمُـورُ كَمَـا شَاهَدتُهـا دُوَلٌ *** مَـنْ سَـرَّهُ زَمَـن سَاءَتـهُ أَزمَـانُ). وبشأن الحكم فإنه، غالبا، ما ينبني التداول والتعاقب فيه على غلبة القوة المحضة. 
2-وعلى هذا المدلول اللغوي ارتكز (مفهوم) الدولة وشاع عند العرب؛ فلم يخرج ابن خلدون في علم الاجتماع عن هذا المضمون للدولة التي تعني الغلبة والسيطرة، وارتباطها السياسي بأشخاص الحكام، من أفراد أو أسر أو قبائل أو عائلات ممتدة، تتداول الحكم فيما بينها أو تتوارثه بدعاوى الحق الشخصي الانساني أو السلالي أو الديني، وبما يخلط بينها وبين أشخاص الحكام. ولذلك فإن (مصطلح الدولة لم يأخذ مفهومه السياسي المحدد في الأدبيات السياسية الإسلامية إلا بعد مرور قرون عديدة على قيام المجتمع الإسلامي الأول. فقد استخدم علماء المسلمين الأوائل مصطلح دار الإسلام ـ [ودار الحرب] ـ أو الأمصار للإشارة إلى الأقاليم التابعة للسلطة الإسلامية: كما استخدموا مصطلحات الخلافة والإمامة أو الولاية للدلالة على الهيئات السياسية المركزية للأمة ...، ثم استبدل مصطلح "دار الإسلام" ومصطلح "دار الحرب" بمصطلح الدولة ... بعد أن استطاع عبد الرحمن بن خلدون أن يطور مفهوم الدولة من خلال دراسة القاعدة الاجتماعية التي ترتكز عليها السلطة … وهذه القاعدة الاجتماعية, بحسب ما توصل إليه, هي العصبية). (مفهوم الدولة بين الفقه السياسي المعاصر والفقه السياسي الإسلامي أبو طلحة صهيب محمد أفقير). 
3- إن ذلك المضمون (اللغوي والمفهومي والمؤسسي) قد أرخى بظلال تاريخية استقرت في وعي الإنسان العربي والمسلم على خلاف ما استقر ذلك في وعي الإنسان الغربي. وهذا الاختلاف أدى إلى إطلاق أحكام خاطئة، تصل حد المفارقة؛ ذلك أن مضمون المصطلح (الدولة) مختلف بشكل كامل، ولا يحتمل المماثلة، ويظهر لنا هذا الاختلاف جلياً حين نقوم بدراسة مفهوم الدولة وتطوره في التاريخ العربي، ونقارنه بتطوره المقابل في التاريخ الأوروبي. (مفهوم الدولة بين العرب والغرب د. يوسف ربابعة). 
4-تتكشف لنا هذه المفارقة بين الدولة عندنا وعندهم من خلال الترجمة السائدة للكلمة الانجليزية STATE والفرنسية ÉTAT إلى اللغة العربية بـ(دولة)، فهاتان المفردتان الأجنبيتان ترجعان إلى الأصل اللغوي اللاتيني STATUS وهو (الشيء الثابت/المستقر). من هنا ارتكز (مفهوم) الدولة باعتبارها (كيانا مجردا وثابتا) وبما يجسدها في مؤسسة لا في أشخاص، وبغض النظر عن تداول ممارسة السلطة وتغير الحكام، مما جعل للدولة شخصية معنوية وقانونية مستقلة عن أشخاص عمالها من حكام أو إداريين أو غيرهم، الذين يمرون على خشبة مسرحها كممثلين عارضين فيما هي الباقية/الدائمة. ولما تقدم، فإن الترجمة الصحيحة لتلك المفردتين الأجنبيتين؛ هي (الدائمة) وليست (الدولة)؛ والديمومة هنا لا تعني الخلود، بل الوجود المستمر لمدى غير مقدر أو منظور.
في الدولة التي نقصدها:
5-نخلص إلى أن الدولة التي نعنيها عند الحديث والربط بينها وبين الدستور هي بهذا المعنى؛ (كيان قانوني) مجرد، دائم ومستقل عن أشخاص الحكام والمحكومين، وله شخصية قانونية داخلية ودولية مستقل، وذا جهاز مركب خاص به [من مؤسسات ونظم وعاملين] وله ذمة مالية مستقلة وتمثيل قانوني داخلي وخارجي خاص به، ومستقل عن أشخاصه ومجموعاته. إن هذا الفهم لكيان الدولة هو الذي يؤسس لوضع دستور حديث، كما يجعلنا قادرين على التعاطي معه وتحليله قانونيا، عطفا على هذا المدخل لمفهوم وطبيعة وشخصية كيان الدولة، على المستويين الوطني والدولي.
6-إن منطلقنا، من الآن وما يليه، بشأن الحديث عن علاقة الدستور بالدولة يعني اقترانه بهذا المنظور المستخلص للدولة، ككيان ثابت (لا متغير) ومؤسسي (لا شخصي/جهاز يدور مع إرادة الفرد الحاكم)، وبما يتضمنه ذلك من كيفية ترتيب وإدارة ممارسة السلطة داخل الدولة، أي النظام السياسي؛ فالنظم السياسية تمثل تشكيلات سياسية داخلية وهي قابلة للتغيير والتجديد والتبديل.
في العلاقة بين الدستور والدولة: 
7-عطفا على ذلك، يمكننا القول من الناحية العلمية/القانونية الخالصة بأن العلاقة بين الدستور والدولة هي علاقة وجودية؛ تقوم على (تلازم وتزامن فيما بينهما: فلا دستور بلا دولة، ولا دولة بلا دستور)، تبدأ معه وتنتهي بنهايته؛ أي أن الدستور هو العمل القانوني الخلاق للدولة. ولكي نبدد استغراب بعض القراء من ذلك، نضع التساؤلات التالية: هل توجد دولة معاصرة بلا دستور؟؛ وهل يمكن أن يوجد دستور نافذ بدون وجود دولة؟؛ وهل يمكن أن تُقبل دولة حاليا كعضو في الامم المتحدة دون أن يكون لها دستور؟؛ وهل يمكن لدولة أن تعلن للداخل أو الخارج أنها ستتخلى عن دستورها ليوم واحد؟. إذا حصل أي من ذلك فإننا نكون أمام سلطة أمر واقع DE FAIT لا سلطة قانون DE JURI ؛ ففي الوقت الذي يتوقف فيه وجود الدستور أو نفاذه وفاعليته التطبيقية نكون أمام سلطة أمر واقع، وهو ما يقع أو يتم خلال الثورات، أو التحولات المتجاوزة لوجود وحدود الدستور كالاحتلال والاستعمار.
8-على إن ضرورات التعامل الدولي، هي التي تُجوّز النظر والتعامل مع الدساتير والبلدان التي لها دساتير باعتبارها كيانا دوليا، بالرغم من حقيقة النظر اليها على إنها دون ذلك. لنتذكر أنه، ومنذ عقود قريبة، تم تقسيم العالم إلى ثلاثة عوالم: عالم أول وثاني وثالث، وكان المصطلح المتعلق بتسمية العالم الثالث كما يظهر في اللغة الفرنسية هو LES PAYS DE TIER MONDE ، أي بلدان العالم الثالث، وليس دول العالم الثالث، وفي ذلك تفرقة واضحة بين لفظ البلد LE PAY ، ولفظ الدولةL'ÉTAT ؛ وهذا قائم على اعتبار أن بلدان العالم الثالث 
لا ترقى إلى مصاف "الدول" من هذا المنظور.

حكايات دولتية:
1-ما زالت حمامات صنعاء حتى اليوم تضع على أبوابها لوحات تحدد فيها توزيع أيام الاسبوع لاستقبال زبائنها من الرجال والنساء، ومكتوب عليها (دول الرجال ... دول النساء)؛ أي دور الرجال ودور النساء.
2-يذكر الأديب العظيم المغفور له عبدالله البردوني في كتابه اليمن الجمهوري، بما يشير إلى السخرية عندما يصل القبيلي إلى وضع المتضجر من عدم فعالية الدولة، بالقول: (ما بش دولة).
3- تكثر في لبنان استعمال كلمة (دولة) رئيس الوزراء، وقد كثر استعمالها لدينا أثناء فترة رئاسة د/ عبد القادر باجمال للحكومة، وما زالت بعض النساء في اليمن الآن تتسمى بـ(دولة).
4- في إحدى جلسات محكمة استئناف تعز، برئاسة القاضي أحمد عقبات، حيث كان ينظر استئناف مدني بشأن تنازع على ملكية عقارية؛ أفاد المستأنف العجوز بأن العقار ملكه وأن مستنداته/أوراقه تؤكد ذلك. فعلق القاضي بالقول: ولكن غريمك يدعي بأن مستنداته/أوراقه تثبت ملكيته أيضا، فبماذا تطعن على أوراق غريمك. رد المستأنف العجوز بالقول: أوراقي (جابان جابان) أما أوراقه (تايوان تايوان). ويبدو أن الدول في عالمنا هي على هذه الشاكلة ؛ منها الأصلي ومنها التقليد.
9- تحتفل دولة النرويج بعيدها الوطني السنوي بمسمى عيد الدستور/يوم الاستقلال (17 مايو) The Constitution of Norway was signed at Eidsvoll on May 17 in the year 1814. The constitution declared Norway to be an independent nation. Norwegian Constitution Day is the National Day of Norway and is an official national holiday observed on May 17 each year, (The National Day) 
(http://en.wikipedia.org/wiki/Norwegian_Constitution_Day)
المقال القادم: الدستور والفكر المؤسسي






في السبت 05 يناير-كانون الثاني 2013 09:24:14 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1030