فصلٌ من سيرة أمي
فائز عبده
فائز عبده

الطفلة التي فقدت والدتها، وهي لم تزل في عامها الـ4، حظيت وقتذاك بزوجة أبٍ مختلفةٍ عما هو متعارفٌ عليه بشأن أولئك النسوة اللائي عادةً ما يتعاملن بقسوةٍ وضغينةٍ مع أولاد الزوج .

لقد تعاملت المرأة الوافدة على الأسرة، بلطفٍ وإحسانٍ، مع الطفلة وشقيقتها الرضيعة، التي تيتّمت في شهورها الأولى، وساهمت "الخالة" في تربية الشقيقتين، ورعايتهما، حتى بعد أن أنجبت أطفالاً إخوةً لهما من أبيهما .

تلك الطفلة عاشت، بدايةً، متخفِّفةً من الشعور بالفقدان. ذلك أنها لم تكن تستوعب حينها سوى القليل مما يجري حولها؛ نظراً لصغر سنها، ولظروف المحيط الأمي الذي يحتضنها، إضافةً إلى أنها حصلت على أمٍّ بديلةٍ عوّضتها عن أمها المتوفاة في ظروفٍ غايةً في السوء والبؤس .

البؤس والحرمان كانا من أبرز مظاهر حياة الطفلة، حتى في كبرها. فلقد عانت ضمن المجتمع الريفي الذي تنتمي إليه، من شظف العيش والفقر والأمراض الفتاكة والجهل والعزلة. وتلك هي أبرز معالم عهد ما قبل الثورة اليمنية عام 1962، التي خلّصت الشعب اليمني من حكم الأئمة المتخلف .

كبرت الطفلة، قليلاً، وبدأت، تدريجياً، وبحسب الحال، بمساعدة والدها في العمل في الأرض، فضلاً عن أعمال المنزل. وقبل أن تبلغ الـ8، كانت مستعدةً، وربما مضطرةً، رغم ضآلة جسدها، لمرافقة الوالد في الأعمال البعيدة عن البيت، وعن القرية أيضاً، حيث كان الرجل يذهب إلى مناطق بعيدةٍ، ليشتري "القات"، ويعود إلى البيت لتجهيزه، قبل أن يسافر إلى السوق لبيعه والعودة إلى القرية بما يقدر عليه من متطلباتٍ واحتياجاتٍ له ولبعض الأهالي. وكانت الفتاة تحمل فوق رأسها الصغير، "قفةً" كبيرةً ممتلئةً بأعواد "القات"، أو مشترياتٍ مما يطلب الأهالي جلبه من السوق .

لم تكن الفتاة مجرد مرافقةٍ يُعتمد عليها، بل كانت مشاركةً أصيلةً في معظم رحلات والدها المكافح، التي كان يقوم بها، رفقة آخرين، بشكلٍ شبه يوميّ، سيراً على الأقدام الحافية، التي لم يعد يقلقهم تفطّرها بعد اعتيادهم على الأمر .

رحلاتهم الشاقة تلك، لم تكن تتوقف إلا لتبدأ من جديدٍ، وكانوا خلالها يجوبون المناطق، في مختلف الاتجاهات، يطوون الوديان وينزلون السهول، يصعدون جبالاً ويهبطون من أخرى، يقطعون السوائل، ويعبرون القرى والمخالف، لا يستريحون من رحلةٍ إلا ليستعدوا لرحلةٍ جديدةٍ، ينطلقون مع زقزقة العصافير في البكور، وغبش الأسحار، ويمشون تحت أشعة الشمس الحارقة أو أمزان المطر صيفاً، ولا تعوقهم برودة الشتاء. يسرون أشطاراً من ليالٍ، في ضوء "الفوانيس"، أو تحت نور القمر .

لم تشعر الفتاة بعملية الانتقال من سن الطفولة إلى مرحلة الشباب؛ هذه المرة بسبب الجهد نفسه والشقاء الذي امتد طيلة سنواتٍ، لا فرق فيه بين سنةٍ وأخرى، غير أنه يكبر كلما كبرت، ويزيد مع مرور السنين، في رحلة كفاحٍ طويلةٍ وقاسيةٍ، انتهت عشية زفافها، لتبدأ لاحقاً رحلة كفاحٍ أخرى، مع زوجها، من أجل تربية أولادهما، ورعايتهم، وغمرهم بحنانٍ وعطفٍ افتقدتهما، ولطالما كانت بحاجةٍ إليهما في كلّ سنةٍ من سني عمرها، وفي كلّ مرحلةٍ من حياتها المتعَبة.. وظلت، مع ذلك، قنوعةً راضيةً، غير متطلبةٍ ولا شاكيةٍ، تؤثر على نفسها، وتخفي حاجتها، تهتم لغيرها، وتكتم أنتها .

كان هذا فصلاً من سيرة وحياة امرأةٍ نالت من الدنيا الكثير من التعب والعناء، وحصلت على القليل من البهجة والهناء.. تلك هي أمي "زهر" التي تحدّت الصعاب لتعيش كزهرةٍ وسط الأشواك. أمي التي لم أجد وصفاً يفيها حقها لأضيفه، لذا سأكتفي باعتبارها أمي فقط، وأفخر بأنها أمي التي لا مثيل لها في الوجود.


في الخميس 20 مارس - آذار 2014 07:35:18 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1506