في رثاء رجل يستحق
أحمد طارش خرصان
أحمد طارش خرصان

كثيراً ما تصيبني المقدمات بالتوتر والإضطراب،وتكاد اللغة أنْ تخونني وتُفْلتَ من يديّ كظبي شاردٍ، وأنا أحاول إيجاد المقدمة اللائقة بإنسان كلُّ ما يملكه في هذا الوجود هو النزاهة ، ونظافة اليد .

 تلكم النظافة التي نقشتْ على ذاكرة بيضاء سفراً طويلاً من حياة رجلٍ وانسانٍ بسيطٍ، لم تبخلْ عليه الحياة،فأهدتْهُ بسخاءٍ جافٍ إهمالاً متعمداً، وشعوراً فائضاً بالغبن والظلم والإقصاء، وبقصدية مأجورةٍ ، سرعان ما تحولتْ إلى منهج صالحٍ فقط للإبتزاز، والنيل من هامات وطنيةٍ ، وزعاماتٍ استطاعتْ أنْ تزرع الأملَ وبعضاً من التفاؤل الفقير في وجدان المواطن التّواق لرؤية وطن مكتمل الوجود.

حين قرر جلجامش الحصول على عشبة الخلود - كما جاء في الأساطير القديمة- وخاض الكثير من المعارك إلى جانب( أنكيدو) ليصل في نهاية معاركه إلى تلك العشبة، ليفقدها أثناء استحمامه في البحيرة ، أدرك جلجامش متأخراً أن الخلود حكرٌ على الآلهة فقط.

بين ( جلجامش) وياسين القرشي، ثمة ما يمكن الحديث عنه، وثمة ما يدفعنا لإدراك معنى الخلود الحقيقي، الخلود الذي امتلكه وحازه الأستاذ ياسين القرشي دون معاركٍ وحروب، عبر تمثله لقيَمِ النزاهة والنقاء في حياته المهنية والتنظيمية.

ربما أعجز عن الحديث- بما يشبه الرثاء لقامة مثلتْ فيما مضى من العمر وطناً للنزاهة ونظافة الضمير- وأجدني جافاً وأنا أحاول اقتفاء أثرَ الظلال الممتلئة بسفر التضحية والزهد الذي مثله الراحل العظيم الأستاذ ياسين القرشي.

لا أدري ما الذي يتوجبُ عليّ كتابته،كمرثية تليق بالراحل وبحياة إنسان ،لم يكن ثمة ما يميّزُه عن البسطاء،ناهيك عن زملائه في التنظيم وهيئاته القيادية في كل المستويات التنظيمية.

رحل الفقيد المناضل ياسين القرشي فارغاً إلّا من تأريخ ممتلئٍ بالشرف....

الشرف الذي ظلّ - وحتى اللحظة- رأس مال الناصريين، وذخيرتهم الحقيقية في وجه الإخفاقات والإنكسارات.

رحل ياسين القرشي تاركاً إرثاً ضخماً ، وتأريخاً حافلاً بالمطاردات والإعتقالات والمداهمات مدفوعة الأجر، له أو لرفاقه وزملائه الذين أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشكّ ، عُلوّ ما آمنوا به من قيم ومُثلٍ عظيمة، كانت العزاء الوحيد لهم في محنتهم الطويلة ، وصراعهم المرير مع سدنة العبودية، وعشّاق الإنحناء المهين.

 غادر ياسين القرشي( رحمه الله) الحياة، واختار لرحيله وداعاً هادئاً، كانت روح الزعيم عبدالناصر( رحمه الله) هي آخر مَنْ ودّعهُ في القاهرة ،ولعلّ ياسين القرشي( رحمه الله) نسيَ في هدوء ترتيباته أن يسْأَلَ مطارديه -وزملائه- في أجهزة القمع سيئة الصيت عن جثامين رفاقه الذين منحوا الوطن أرواحهم، في مشهدٍ ربما لن يتكرر في عصرنا المكتظ بالعمالات، والمزادات الرخيصة.

أحاولُ تلمس سيرة الراحل المضيء،بنوع من الإحتراف اللغوي-كما أظنُّ-، والقدرة الضاجّة بالرغبة النزيهة لتدوين سيرته البسيطة كمواطنٍ عاش حياته كما يريدها هو ، لا كما نريدها نحن.

تتساقط السنوات من أعمارنا، دون أن نتحسس أثراً لهذا التساقط ، وننسى في زحمة الإيمان المترف بمبادئنا كلّ شيء، بيد أننا في هذا الدرب الذي اخترناه نكسب أضعاف ما فقدناه تماماً ،وتتحول حياتنا المبللة بعرق التضحية، إلى دروسٍ ونماذج حيةٍ للتضحية والبذل والعطاء.

هكذا تمرٌّ الفاجعة والفَقْدُ لقامة ناصرية باهظة السّموّ والألق ، تاركةً الأملَ كلحنٍ موسيقيٍ، لم يجد بعدُ الأناملَ القادرة على مداعبة الأوتارَ الكفيلةَ بتحويله إلى عنوانٍ نَدِيّ لحياة رجلٍ ...

كتبَ وصيته الأخيرة بتفردٍ نادرٍ

على جدران الذاكرة الأشبه بلوحة إعلانات معلقة في مكان عام ، كثيراً ما تدفع المارّة لقراءتها......

(في طريق الخسارات.... ثمة ما يكسبه المرء)..


في السبت 12 إبريل-نيسان 2014 10:01:39 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1526