العيد.. إذ فقد بعض معانيه
فائز عبده
فائز عبده

لطالما كان العيد مصدر بهجةٍ، وموعداً للمرح. ولكثر ما استحقّ الانتظار، وكان جديراً بالاستبشار. وفي كل مرةٍ نذهب إليه بلهفةٍ واشتياقٍ، ويأتينا بفرحةٍ واستمتاعٍ.

لم يكن العيد يخلف وعده البهيج في موعده المنتظر. ولم يخذل صغيراً في جديده، ولا شاباً في فرحته، ولا كبيراً في سعادته، ولا كهلاً في راحته، ولا امرأةً في وصلٍ أو صلةٍ، ولا ذا قربى أو صديقاً بالزيارة.

كان العيد مناسبةً مثلى للصفا والمودة والتقاء الأحبة، وللتقارب والتزاور، وللتواصل والتراحم، ولكسر الحواجز وتقريب البعيد.

وكان ميقاتاً أمثل للفعاليات السعيدة؛ كاقتران المحبين، وإتمام مراسيم الزيجات، واجتماع الأهل والأقارب، وتلاقي الأصدقاء والأصحاب، والخروج في الرحلات والنزهات، للترويح عن النفس، وقضاء بعض الأوقات الممتعة.

في العيد تتناغم الأرواح، وتتآلف النفوس، وتنشرح الأفئدة، وتنتشر في الأجواء تعابير الفرح والسلام؛ حيث تتوالى التبريكات، ويتبادل الناس عبارات التهنئة، وأمنيات الخير والسعادة.

وفيه يكثر التفاؤل والابتسام؛ حيث لا همَّ ولا غمَّ، ولا حزن ولا نكد. وفيه يزيد منسوب العطاء، ويرتفع مؤشر المشاركة؛ إذ يتواصى الناس بينهم بالخير، ويتفقدون حاجة بعضهم. وفيه تبرز مظاهر التكافل؛ حيث لا يبخل قادرٌ بتقديم معونةٍ أو مساعدةٍ، ولا يستنكف عن القيام بدعمٍ أو مساندةٍ.

هذه ربما أبرز المعاني والقيم التي ارتبطت بالعيد، واتّصف بها على تعاقب السنين والعقود والقرون، وتوارثتها الأجيال، وتناقلتها الشعوب. وهي المعاني السامية والقيم النبيلة التي حفظتها ذكريات البشر، واحتفظت بها صفحات الكتب، وجسّدتها المجتمعات كتقاليدَ وعاداتٍ، تتباين في ممارساتها، وتجتمع في دلالاتها، وتلتقي في غاياتها الإيمانية العظيمة، وفي أهدافها الإنسانية الجليلة.

غير أنّ العيد، في السنوات الأخيرة، فقد بعض تلك المعاني، وتخلَّت عنه بعض القيم الخاصة به، حتى أضحى ضيفاً ثقيلاً، مقدمه مدعاةٌ للهمِّ، أكثر منه مستوجباً للفرح، وحلوله يجلب المتاعب والألم، ويثير الحزن لدى الأطفال المحرومين، ويكشف عن حجم المعاناة عند الآباء العاجزين عن توفير المتطلبات وتلبية الاحتياجات.

ولقد كانت هنالك عواملُ عديدةٌ أفضت إلى هذه الصورة السلبية التي اندمغت بها مناسبةٌ يفترض أنها سعيدةٌ ووديةٌ؛ كالعيد، وهي إجمالاً وبدون تفصيل: الحالة الاقتصادية والمعيشية المتردية لكثيرٍ من اليمنيين، الوضع السياسي المتأزّم باستمرارٍ، الوضع الأمني المنفلت وتداعياته المؤسفة، الحالة الاجتماعية غير المستقرة لعديد الأسر، وما يترتب على هذه العوامل من تأثيراتٍ وتحدياتٍ تعترض الأفراد والأسر والمجتمع عامةً، وتؤثر حتى على العلاقات الاجتماعية، وتنغّص على الناس ما اعتادوا عليه من لهفةٍ وشوقٍ للعيد، وفرحةٍ وانشراحٍ به.

على أنّ التغيرات التي طرأت على العيد، مؤخراً، وبالتدرُّج، لم تقتصر على فقدانه بعض الأمور الجيدة المرتبطة به، وغياب بعض الممارسات النافعة التي تتزامن مع أيامه، بل ترسّخت أفعالٌ بكلفٍ إضافيةٍ، وأضيفت طقوسٌ تخصم من ميزانيات الأسر على حساب المصروفات الأساسية، وبات العيد متطلَّباً أكثر من ذي قبل، وما هو جيدٌ فيه أقلَّ مما لا جدوى منه، ولا ضرورة له، وبدأت المظاهر المادية الدخيلة عليه، تطغى على الطقوس الروحانية والعادات الاجتماعية الحميدة.

ورغم ذلك، عليّ أن أقول لكم: عيدكم مباركٌ، وكل عامٍ والجميع بألف خير .

5/10/2014

faizabdo@gmail.com

 

 
في الإثنين 13 أكتوبر-تشرين الأول 2014 11:22:46 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1700