الْغُرْم... ومدينة لا ينقصها العبث
أحمد طارش خرصان
أحمد طارش خرصان

( يا حيّا من شمّهْ بارود ، وابن السوق شمَّهْ مِعْطَارَةْ...)

مع ما تحمله تلك التحية من رمزية لحالتين متناقضتين ،يمكن إدراك ذلك من خلال مفردتي البارود والمعطارة ، ومع ذلك  كان لا يجد ما يمنح القادم سوى هذه التحية ، بما فيها من تعالٍ وفخرٍ لا يخلو من الإنتقاص المستهجن.

أتذكر تلك التحية وضحكة رجلٍ مسنٍ ، غادر الحياة - رحمه الله ووالدي - محتفظاً بكبرياء انتماءه القبلي، وتفسيراً - قد يبدو - مقبولاً لتلك التحية ً، والتي - بحسب قوله- لا تكاد تبتعد عن كونها إشارةً واضحةً لتأثير الجغرافيا في تشكيل نمط الحياة وسلوكها المتأرجح بين القسوة والدعة.

لا أنكر انتمائي لقبيلة ( ذو محمد) ، كما ولن أتذمر كلما سمعت من ينعتنا ب(النقائل) ،متى لامسوا سلوكاً غير سويٍ ،أو أحسّوا بما يهدد تواجدهم كسكان أصليين في مدينةٍ ، غافلتْ الجميع وأعطتنا ظهرها ، تاركة أفق التسميات الضيق ،

الذي لم يعد بمقاسات توْقها لأن تكون مدينةً للتعايش والألفة والمحبة.

ما زلتٍ أدرك - وبوعيٍ -أننا لم نغادر بعد دائرة( النقائل) وجملة( يا غريب كن أديب)، بالرغم من مرور ما يكفي لأن نحصل والمدينة على رفقة جيدة، قد تكون كافيةً لتبديد ما علق في ذهنية المدينة، من إنطباعات سيئة

راكمتها بعض الحماقات هنا أو هناك.

إستوطن البعض ( قبائل - أفراد) محافظة

إب في عملية نزوح - قد تبدو قسريةً - ،كنتيجة لعوامل وأسباب ، لم يعد الحديث عنها مجدياً، في ظل ما يشهده الوطن برمته، من محاولات بالغة الضراوة لتمزيق هويته الوطنية ،وخلق هويات ضيقة ، قد تدفعنا لحظة اختيالٍ رعناء إلى أن نعيش حالة نزوح جماعية ،لن نجد جغرافيا تتسع -حينها- لكل هذه الهزائم والإنكسارات .

إستوطنت القبائل - أو كما يقال النقائل- إب كخيارٍ لم يكن ترفياً ، بقدر ما كان رغبةً حقيقية في مغادرة دوائر الموت المجانية، وحلبات العنف والصراع ، والتحلل من إرث ماضٍ ، غرق بكامله تاركاً خيطاً ضعيفاً ، لا يبدو أن الحوثيين أغفلوه تماماً ، فعملوا منذُ وصولهم على استمالة ما تبقّى من انتماءٍ ، لا يذكرنا به سوى ( الغُرْمْ ) وكتب (الإكليل) ومعجم البلدان والقبائل اليمنية.

لا يملك الحوثيون ما يمكن التفاهم معهم بشأنه، ولن يكونوا الوجهة الصحيحة التي نفكر فيها، أثناء بحثنا عن المستقبل، ولا أظن أن اجتماع قبائل ( ذو غيلان) الأخير في إب ،يتجاوز هذه الحقيقة ويسعى لأن يحجز له مكاناً في مسيرة العبث والإستهتار ومهازل ما بعد الإنتصار ، ويصوب رصاصة بندقيته المحتفظة برائحة حقبة زمنية، لن يكون من السهل على ( ذو غيلان ) عامةً و( ذو محمد) خاصةً ، التخلّي عنها، إذْ لم يعد في التاريخ متسع لارتكاب مثل هكذا حماقات.

ربما هو تذكير ل( ذو محمد) أن ثمة أثر يمكن تتبعه لمعرفة ماضٍ ،

ما زال جيداً وصالحاً لبناء تفاهمات جديدة مع الذات نفسها، وبما يعزز رغبة الجميع في التصالح ، والتأسيس لما يمكن البناء عليه ، وبما يعلي من قيمة الدولة وحضورها المطلوب.

ما أودّ أن يصل هذه القبيلة وبقية القبائل ، أن المشاركة في الخطأ لا يمكن أن يكون فرصةً ، علينا أن نبدي قدراً عالياً من الحنكة والذكاء أثناء اقتناصها، مالم تكن هذه الفرصة مقترنة بالحاجة لبناء دولةٍ، نشعر جميعاً أنها الضامن الوحيد لإستقرار البلد عامة وإب خاصة.

لا يبدي الحوثيون مرونة من نوع ما، قد تكون قادرةً على تسوية وتذويب بؤر التباينات، ما يستلزم مراجعة ( ذو غيلان) لرؤيتها وأدبياتها واستراتيجيتها المقدمة في ذلك الإجتماع، وتقييم ومناقشة ما تم من إجراءات ،

قد تعيدنا إلى مربع الإتهام بأننا لسنا سوى محتلين، عاشوا كجواسيس في مدينة منحتهم كل شيء، لتصحوا وقد تحولوا إلى غزاة قد يكونوا أكثر سوءاً من

هؤلاء القادمين تحت راية الله ومسيرته القرآنية.

أخشى - وهذا مايشعر به الجميع- أن تنقطع بنا السبل لنجد أنفسنا في مواجهة فتات خيبةٍ، وأجزاء غير واضحة من جماعة منهارة.

 
في الخميس 04 ديسمبر-كانون الأول 2014 09:26:58 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1741