إب ....وأشياء أخرى
أحمد طارش خرصان
أحمد طارش خرصان

أتجول في إب متأبطاً رائحة فتىً ، اكتشف للتو أن أربعين عاماً تسربت من بين أصابعه، دون أن يدرك - كما يتحدث - كيف وصل إلى هذا العمر ممتلئاً بخيبات شعبٍ وأوجاع وطنٍ .

أتنقل بين أزقتها العامرة بأحاديث المطر وإيقاع البساطة ، مستعيداً اللحظة التي كنت فيها وإب وجهاً لوجهٍ ،

إذْ لا زلت أحتفظ- كغيري - بدهشة قروي ، عليه أن يكون ماهراً في رسم مشاهداته وتأملاته ،والتي ستتحول عقب مغادرته المدينة إلى مرويات وحكايات، عليه أن يعاود سردها لأقرانه مراتٍ ومراتٍ ، وبإضافات بريئةٍ ، لن يعدم الحجة لأن يحلف لهم أنه نسيها في المرات السابقة .

في السوق القديم لن تخذلك المدينة ، وأنت تفتش في زوايا انطباعاتك السيئة عن المكان ،ما يمنحك الألفة وآخر صوت نزيه ، ترجّل عن صهوة منبر الجامع الكبير في مدينةٍ ... تذوقتْ للمرة الأولى مرارة فقْدها ، عندما خسرتْ - دون أن تعيَ -خطَّ دفاعها الأول برحيل عنوانها الأكثر وضوحاً الأستاذ محمد علي الربادي .

تحتاج لأن تغوص في حياة إب ،أن تمتلك إحساس فنان مكتمل الملكات ، لتدوين مشاهد من حياتها... أسماء حاراتها.. أزقتها ..بداهة أبنائها وقدرتهم في تحويل الوجع إلى تهكمات ساخطةٍ وساخرة .

ولا تنسَ المدينةُ أن تمنحك مشهداً رافضاً لرجل مسنٍ ، مازال باب دكانه الفارغ مشرعاً لعبور تحايا ونظرات المارة , والتي لن تكون قادرة على محْو هاجسه العامر بنتوءات الفقدان والسأم المُملّ ، متى حرَّكتْه لحظة رثاءٍ عابرةٍ ، تقافزت من عيني زائرٍ ، أدمن التجوال في مدينةٍ ... ما زال يحتفظ لها بإيقاع ودٍّ ورفقةٍ جيدةْ .

في ذاكرة أحمد قاسم دماج - ذلك المناضل النزيه، والوطني العتيد-حكايات ومرويات عن إب ، وحياة مناضلين كثر ما زالت أجسادهم تحتفظ ببقع سوداء، تكاد تختزل تأريخ الورع والهوس الأيديولوجي المقيت .

يتحدث الأستاذ أحمد الرواج بذاكرة معتقل لا تشيخ ، ووجع عاشق إدَّخر هاجساً مكتظاً بأشلاء قداسةٍ وورعٍ ، منحاه إنتماءاً حقيقياً، ومعنىً جديدا لقداسة الإنتماء لوطنٍ ، ما زال في نظره جيداً لأن يمارس أحدنا حياته ، وبما يبعث على السخرية من جلاديه ومعتقليه .

أتحدث عن اليسار وتحضرني مشاهد مروعة لضحايا ، كل جرمهم أنهم آمنوا بالإنسان ، كقيمةٍ إستهدفتها الرسالات السماوية ، وثورة حقيقية على كل ما يشوه هذه القيمة ويحيد بها عن مسارها الصحيح من إقطاعٍ وديكتاتوريات دينية ومتهالكة .

قبل أسبوع نجح إشتراكيوا إب-بعد أن بلغت القلوب الحناجر - في إختيار سكرتير أول لمنظمة الحزب خلفاً للأستاذ يحي منصور أبو اصبع ، وممثلين للشباب والمرأة إلى اللجنة المركزية بحسب قرار الحزب توسيع قوام لجنته المركزية وإشراك الشباب والمرأة تبعاً لذلك القرار .

لم تصمد سعادتي بذلك الإنجاز طويلاً، وقد تحولت عملية الإقتراع إلى ما يشبه المهزلة- مع إعتذاري للحزب - ، والتي قد تحدث ربما في أحد مراكز دائرة محمد أحمد منصور ، لا في سكرتارية منظمة الإشتراكي .

أشعر بوجع وأنا أرى اليساري الصلب ناصر الربادي واقفاً - بكامل نزاهته- كضحية لخذلانات موجهة، تمكنتْ وبوسائل - لايمكن أن تكون نزيهة - من حرمان ناصر الربادي من إستحقاق حزبيٍ ، لم يكن ليمنحه - ونحن - سوى تقدير بالغ الصدق، قد تنسي أحدنا كُلفة الإنتماء للمبادئ التي آمنا بها ذات يوم. حُرم ناصر الربادي من إستحقاق ، قد يضع تجربة الحزب الديمقراطية ( الداخلية) عرضةً للنقد ، ما يستدعي الوقوف إزاء ماحدث ، وبما يعيد للحزب بهاءه وألقه،

مذكراً قادة الحزب الإشتراكي بما ظل عالقاً في ذاكرتي القريبة

حين سمعتُ أمين عام الوحدوي الناصري الأستاذ عبدالله نعمان في مؤتمر التنظيم الأخير وهو يقول

( لسنا في جمعية خيرية، وعلينا أن ندرك أننا واحد في مسيرتنا التي اخترناها ).

للحزب خالص التوفيق في مؤتمره المنعقد

ولناصر الربادي نزاهة المبدأ، وصوابية الموقف .


في الثلاثاء 23 ديسمبر-كانون الأول 2014 01:44:32 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1754