مغزى تغيير أسماء الشوارع
فائز عبده
فائز عبده

أتذكّر أنني تابعت نشرة أخبار إذاعة صنعاء، في يومٍ يعود إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، وفيها خبرٌ عن قرارٍ جمهوريّ بتسمية عددٍ من شوارع أمانة العاصمة.

يومها لم أكن أعرف صنعاء، لكنني كنت أتخيلني أجوب شوارعها، وأقرأ لوحاتٍ تحمل أسماءها التي سمعتها في الأخبار. وقد تحقق لي ذلك بعد قرابة العامين.

حملت معظم شوارع العاصمة صنعاء، رسمياً، وبموجب ذاك القرار، أسماء العواصم العربية، في إطار توجهٍ عروبيٍّ آنيٍّ لنظام علي عبدالله صالح، بُعيد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، عام 1990. غير أنّ الكثير من تلك الشوارع ظلت محتفظةً بأسمائها السابقة، لدى العامة، كشارع الرياض (هائل)، أبوظبي (الدائري الجنوبي/ الصافية)، الخرطوم (مجاهد)، نواكشوط (صخر)، وبيروت (...)، إضافة إلى شارع الوحدة (الدائري الغربي)، وشارع الأمم المتحدة (الدائري الجنوبي من جولة كنتاكي إلى جولة الرويشان)، وشارع أبو الحسن الهمداني (حدة)، وشارع ابن الأمير الصنعاني (العدل)، وشوارع أخرى غيرها، وذلك لرسوخ الأسماء القديمة لهذه الشوارع، واعتياد الناس عليها، أو لوجود مقراتٍ وزاريةٍ فيها.

وبعض الأسماء لم تُتداول شعبياً، كشوارع دمشق والقدس ومسقط وعمّان ومقديشو والدوحة والمنامة وطرابلس، لكونها شوارع فرعيةً أو غير مهمةٍ. بينما أسماء أخرى أثبتت وجودها، ورسّخت نفسها في الاستخدام اليومي للناس، كشوارع بغداد والرباط والجزائر وتونس وجيبوتي. على أن شارعي القاهرة (الدائري الشمالي)، والكويت (الزراعة) شاع استخدام الاسمين الجديد والقديم لكل منهما معاً.

وعلى ذكر شارع الكويت، فقد تمّ، الشهر الماضي، تغيير اسمه إلى شارع الدكتور المتوكل، تزامناً مع الاحتفال بأربعينية الشهيد محمد عبدالملك المتوكل، وذلك باعتبار أنه شارع الزراعة، حسب التوجيه الرئاسي بهذا الخصوص. وحين اعترضت صحيفةٌ كويتيةٌ على إسقاط اسم الكويت من أحد شوارع صنعاء، انبرى مصدرٌ برئاسة الجمهورية لدحض "مزاعم" الصحيفة، مؤكداً أن شارع الكويت لم يتغير اسمه، وأنه يقع أمام بوابة مستشفى الكويت، موازياً لشارع الزراعة، الذي اكتسب هذا الاسم منذ إنشاء مبنى وزارة الزراعة فيه. والحقيقة أن شارع الكويت هو نفسه شارع الزراعة سابقاً، وهو ما بات مؤخراً شارع المتوكل.

ولشارع الرياض قصةٌ؛ فلقد شهد هذا الشارع الحيوي والتجاري، والواقع وسط منطقةٍ ذات كثافةٍ سكانيةٍ عاليةٍ، فترة إهمالٍ تسببت في انقشاع الإسفلت تماماً، واكتظاظه بالحفر، وامتلائه بمياه الصرف الصحي، ما أدى إلى صعوبة حركة السيارات والمارة فيه، وانتقال كثيرٍ من المحال التجارية إلى شوارع أخرى. وكان متداولاً حينها أن مجموعة هائل سعيد عرضت تكفلها بإعادة تأهيله على حسابها، مقابل الإبقاء على اسمه القديم، وأن الحكومة لم تستسغ الفكرة بدايةً، خشية أن تفسد علاقتها مع المملكة السعودية.

ومنذ يومين، أصدرت "اللجنة الثورية" التابعة لجماعة الحوثيين، قرارها بتسمية 11 من شوارع العاصمة، بأسماء شخصياتٍ وطنيةٍ من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، كدفعةٍ أولى، في إطار ما اعتبرته تكريم الرموز الوطنية والنضالية اليمنية، ستتبعها قراراتٌ أخرى بذات الشأن، وستمتد إلى شوارع المدن الأخرى في البلاد، حسب تصريحات رئيس اللجنة محمد علي عبدالكريم.

وأطلقت اللجنة إياها، على تلك الشوارع، أسماء شهداء وفقداء كبارٍ؛ كالشهيد إبراهيم الحمدي، والشهيد فيصل عبداللطيف، والشهيد جار الله عمر، والشهيد عيسى محمد سيف، والأستاذ أحمد النعمان، وعمر الجاوي، ومجاهد أبو شوارب، والشهيد حسن الحريبي، والشاعرين عبدالله البردوني، ويوسف الشحاري، إضافة إلى شارعٍ باسم الرسول الأعظم.

الفكرة جيدةٌ بحدّ ذاتها، وتلك الرموز الوطنية والنضالية تستحقّ تكريماً أكثر من ذلك بكثيرٍ، وهو بعضٌ من حقوقهم وحقوق أسرهم. بيد أنّ عملية تغيير أسماء الشوارع مسؤولية السلطات التنفيذية في الدولة، وليست من صلاحيات طرفٍ سياسيّ أو قوةٍ نافذةٍ أو تيارٍ مسيطرٍ.

كما أنها باتت ممارسةً تنم عن رغبة أيّ نظامٍ، أو حاكمٍ جديدٍ، في وضع بصمته الخاصة، وإلغاء ما يعتبره من آثار النظام البائد، أو الحاكم السابق. وبعض الحكام درج على تشييد نصبٍ تذكاريّ، أو افتتاح شارعٍ جديدٍ باسم عاصمةٍ ما، كلما جاءه منها زائرٌ رفيعٌ.

ولا تقتصر العملية على تغيير أسماء بعض الشوارع، أو إطلاق تسمياتٍ جديدةٍ على أخرى، بل إنها تنسحب على أسماء المرافق العامة؛ كالمدارس والمستشفيات والحدائق. ولن نجد ربما عهداً خلا من مثل هذه التصرفات "الأنانية"، التي تمجّد النظام الحاكم، وتقدّس رأسه. ومن هؤلاء "الزعماء" من بنى مرافق، وأنشأ جمعياتٍ تخلّد اسمه، أو تحمل تواريخ مناسباتٍ تخصّه.

وتأتي عملية التغيير الأخيرة، من باب تكريس واقع نفوذ جماعة الحوثي، المسيطرة على مفاصل السياسة، وتفاصيل الشأن العام، وتجيء كرسالةٍ ذات مغزىً خاصٍّ لشركاء العملية السياسية اليمنية، من جماعةٍ مسلحةٍ تتحكّم بكل شؤون البلاد، وإن لم تكن تحكم.

  faizabdo@gmail.com



في السبت 03 يناير-كانون الثاني 2015 11:41:23 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1767