نعيٌ متأخرٌ لفارسٍ ترجَّل باكراً
فائز عبده
فائز عبده

عفواً صديقي فارس غانم.. فلقد علمتُ متأخراً أنك رحلتَ أواخر شهر رمضان الماضي، بعد صراعٍ مريرٍ مع المرض الذي كانت مرحلته الأخيرة في مدينة كيبتاون بجنوب أفريقيا، وفيها أسلمتَ روحك إلى بارئها، وغادرتَ دنيانا باكراً، ودون أن أتمكن من التواصل معك أو توديعك، أو حتى السؤال عنك؛ بسبب الأوضاع السيئة التي تشهدها بلادنا، والظروف العصيبة التي نمرُّ بها منذ فترةٍ من الزمن، وما يحيط بنا من عزلةٍ وانقطاعٍ عما يدور حولنا، وما يجري في محيطنا.

بتنا - يا صديقي العزيز- لا ندري ماذا يحدث في الجوار القريب، أو في أيّ مكانٍ داخل بلدنا المنكوب -أكثر من أية مرحلةٍ سابقةٍ- بجماعات القتل والإرهاب، وقوى الفساد والتخلف، وأحزابٍ همُّها الأول والأخير المحاصصات وتقاسم المصالح.

لقد استأتُ كثيراً لدى قراءتي خبر نعيك في صحيفة "الوحدوي"، وساءني أكثر أنه كان مرَّ على وفاتك أيامٌ، بينما أنا غارقٌ في العزلة التي فرضها انقطاع الكهرباء والظروف الصعبة التي نعيشها، الأمر الذي جعل حزني مضاعفاً؛ حزناً علي رحيلك الباكر والفاجع، وحزناً على عدم تمكني من الاقتراب أكثر من حالتك الصحية، وغفلتي عن السؤال عنك لفترةٍ طويلةٍ منذ آخر اتصالٍ لي بك عقب خروجك من انتكاسةٍ صحيةٍ تعرضتَ لها قبل قرابة العامين.

الآن وقد رحلتَ يا صديقي، فإنّ ذكراك ستبقى، وسأظلّ محتفظاً بذكرياتٍ رائعةٍ جمعتنا في أكثر من صحيفةٍ، وأكثر من مناسبةٍ، وسأتذكر مواقفَ خالدةً حصلت لنا خلال فترة صداقتنا وزمالتنا التي تعود إلى ما قبل 15 عاماً؛ حيث عملنا معاً في "الأسبوع" و"النهار" و"التجمع"، وربما غيرها من الصحف الأسبوعية التي تنقلنا بينها، أو جمعتنا فيها أوقاتٌ من الودِّ والاهتمامات المشتركة.

عرفتك خلال تلك الفترة صحفياً ملتزماً ومهتماً بهموم الناس وتطلعاتهم، مثقفاً واعياً بقضايا وطنه، يسارياً منحازاً إلى مصالح الغالبية البسيطة من أبناء شعبه، مهموماً بشؤون بلده؛ حاضره ومستقبله، صديقاً جيداً ومخلصاً، وإنساناً جميلاً يواجه مصاعب الحياة ومتاعبها بالمرح والتهكم، وبالتفاؤل والأمل.

إنها ذكرياتٌ ومواقفُ وعلاقة عملٍ وصداقةٌ فيها جوانبُ مؤلمةٌ كمعاناةٍ أو عثراتٍ، وفيها نواحٍ مشرقةٌ تتضمن لحظات سعادةٍ، وتجارب نجاحٍ، وقصص انطلاقٍ في عالم الصحافة أو في الحياة العامة. وإنها حكاية علاقةٍ إنسانيةٍ تشتمل على السيئ من الأمور، وعلى الجيد من الأشياء، وتشمل السلبي من الأفعال، والإيجابي من الأعمال، لكنَّ الأهمّ أنها تخلو من ضغينةٍ في قلب أحدنا تجاه الآخر.

لستُ هنا بصدد سرد أو بيان تفاصيل حكاية صداقتنا هذه، أو الكشف عن جوانبَ منها، ولا الحديث عنك وعن حياتك الثرية بالمواقف والتجارب، ومناقبك المحمودة، وعن مشوارك الصحفي المتميز، ولكنني أردتُ أن أقدم نعياً متأخراً لرحيلك المبكر والمفاجئ، أيها الفارس الذي ترجَّل عن صهوة الحياة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمرُّ به بلدنا الحبيب، وهو بأمسِّ الحاجة إلى عقول أبنائه وأفكارهم النيرة وجهودهم المخلصة، التي بمقدورها إخراجه من مستنقع الاقتتال والحروب والصراعات السياسية، وأعمال التخريب والتدمير التي تمارسها القوى والجماعات المهيمنة على المشهد اليمني الراهن.

faizabdo@gmail.com

 
في الأحد 16 أغسطس-آب 2015 07:50:23 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=1971