تحية شعبية..
أحمد طارش خرصان
أحمد طارش خرصان

ما الذي لديك لتفعله لأجلهم ، وأنت الفراغ المحشو بالهزائم والفجائع ...؟ كيف يمكنك تجاوز الإحباط واليأس ، وتقتحم كرجلٍ أعزلٍ الثكنات المعبأة بالأوغاد ....؟

كيف تتأمل هذا الذي يحدث ، فلا تجد ما يمكنك امتشاقه ، لتواجه قدرك المشرع على الخسارات والنهايات غير اللائقة ...؟

لا أزمنة كافية لكتابة سرديات رجلٍ ، تحول مع مرور الوقت إلى هذيانات جافة ، وإشراقات بائسة وتعيسة ، لم تعد لتظفر بشغف قارئ عابرٍ ، نسي - بقصد - أدراج ورفوف الكتب وروائح الصفحات ، ليقوده حلمه العاري إلى خيمةٍ في خليج الحرية ، معتقداً أنه وضع قدماً في الدرب الذي سيقله صوب الحياة المروقة ، دون أن يدرك أن التاريخ لا يأبه لتأوهات البسطاء والمتعبين .

لم ولن تكون الحالة التي احتضنتها ساحة خليج الحرية ، هي الحالة الباعثة على الندم ، قدر ما هي الحالة التي أشعرتنا بآدميتنا وبأننا أسوياء على النحو الذي يمنحنا الزهو ، لا الذي يورثنا الندم وعض النواجذ .

أتحسس - كتائه أعمى - ما أحتفظتْ به المدينة من ظلّ الحناجر وهتافات منْ شردهم السلام

الذي يُروج له اليوم ، وبذرائع لا تخلو من مسحة إنسانية ، ليس عليك سوى التلويح بيديك بما يشبه التحية والإمتنان ، لهذا الذي منحك إياه معتنقوا الزيف ومروجوا الموت تحت سنابك السلام القاتل .

في المدينة القديمة تساقطت دفعة واحدةً ، صحون الرواني ....البقلاوة ...وجداريات تزينت بكلمات إبن المدينة الأوحد العظيم محمد علي الربادي ، لتبقى المدينة عاريةً من صدى صوته وهو يتقافز من على مئذنة الجامع الكبير ، كآخر ما تبقى للمدينة من صوت نزيهٍ ، قاوم بصلابة فذة كل محاولات التجاوز والنسيان .

بين بشير شحرة وهو ملقى بين عيني زوجته وأطفاله مضرجاً بخيبتنا ، وبين الأستاذ العظيم محمد علي الربادي ،لا نكاد نسمع في أزقة المدينة القديمة الآن سوى أنين عصفور يمزق القلب ...روائح مقفرة ...وخيالات ضامرة - ربما - بقيتْ محتفظة بتواجدها ، كهياكل - مكسوة بلحمٍ ودمٍ - فقدتْ قدرتها على الصراخ والبصق بوجه الأقدار السيئة .

في حديث عابر لم يتم التخطيط له ، قال الشيخ عبدالواحد صلاح لي : إنه لن يسمح بأن تتحول إب إلى بؤرة للصراعات ، وأنه سيعمل كل ما من شأنه الحفاظ على إب ، كي تظل مدينة السلام والنازحين والتسامح ، مضيفاً ولو كلفني ذلك حياتي ، كتعبير عامر بالتضحية والحرص على أن تكون إب المدينة الإستثناء .

لا أدري ما إذا كان الشيخ عبدالواحد صلاح متمسكاًً بما قطعه على نفسه ، بعد مداهمة الحوثيين لأحياء المدينة القديمة ، وارتكاب جريمة قتل المواطن بشير شحرة أمام أسرته ، وبطريقة أعادت إلى الأذهان جرائم وممارسات الفاشيات المنقرضة ، أم أن ذلك يقتصر على الوقوف بوجه الضحية ، كلما حاولت دفع أذى الجلاد وعنفه .

منذ استشهاد الفقيد الرجوي ، وإب تتجنب النسيان وتلوذ بالذاكرة التي تمنحها القدرة على المقاومة والرفض ، وتبذر في فضاءاتها التماسك ، بعيداً عن كونها مدينة لم تعد تُعرفُ بجميل ما قدمته للمارة العابرين ، بل بجلال أنقاضها وأوجاعها المتكومة .

مات بشير شحرة أمام زوجته وأطفاله ، فيما أزقة المدينة تقف مكتوفة الأيدي أمام جماعة ، غابت أوجه الفاعلين وحضر مؤشر الهمجية كدلالة على إنتمائه للجماعة المنفذة .

سيبقى السؤال عن جريمة قتل الحوثيين لبشير شحرة ، يدور في الأزقة والحارات العتيقة كتحية شعبية ، لن يمل أبناء إب من ترديدها ( لماذا ؟ وكيف قتلوا بشير شحرة ) وعلى النحو الذي يحفزنا لتذكر أوجه القتلة وعنفهم الطائفي البغيض.


في الإثنين 18 إبريل-نيسان 2016 01:27:38 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=2459