القنوات الفضائية ومشكلة الثقافة
د. وديع العزعزي
د. وديع العزعزي

إن الإعلام هو وسيلة الثقافة للانتشار، فهو يعطيها الشكل والوسيط وهي تعطيه المعنى والروح، فالثقافة هي ذلك الجوهر الذي تحويه وسائل الإعلام الذي يستخلصه الشباب منها، بل أنه ينظر إلى وسائل الإعلام على أنها أحد العناصر المكونة للثقافة، لأنها عامل من عوامل اكتسابها وثرائها، ولكونها تساعد على التعبير عنها ونشرها.

وتأتي القنوات الفضائية في مقدمة وسائل الإعلام ، لما تتسم به من سمات خاصة مكنتها من القيام بوظيفة التثقيف، وإذا كانت الثقافة سلوكاً مكتسباً، فإن اعتمادها على القنوات الفضائية أمراً مهماً، إذ أنها تقدم للشباب أنواعاً مختلفة من السلوك حتى يستطيعوا أن يندمجوا في المجتمع ويتكيفوا معه، بل إنها تعد وسيلة تسعى بها الثقافة إلى الاستمرار والانتقال ولذلك فإن مسؤوليتها في الوقت الحاضر تصبح مسؤولية معقدة نظراً لتعقد الثقافة وازديادها تشابكاً. فالمعارف في عالمنا المعاصر تتميز بمدى من الاتساع والتعقيد والتشابك بقدر لا يستطيع الفرد مهما بلغت قدراته العقلية والفكرية من مواكبتها، والتفاعل معها أول بأول، فهو بحاجة لمواكبة تطورات عصره لتناول جرعات معرفية دائمة لفهم حقيقة ما يجري حوله، طبعاً إلى جانب وسائل الإعلام الأخرى، هذه المسؤولية تمكن الشباب من فهم الواقع الذي يعيشون فيه، بحيث يستطيعون أن يشخصوا الظروف ويحللوا المشكلات والظواهر التي تواجههم، ومن ثم يضعون لها الحلول والمعالجات حتى يستطيعون أن يسيطروا على الواقع بدل أن يقعوا ضحيته. وإن الدور الثقافي للقنوات الفضائية لم يقتصر على توصيل ونشر الثقافة، بل أصبح يؤثر بشكل أساسي في عملية انتقاء محتوى الثقافة وحتى في إبداع هذا المحتوى ، فهي تشكل التجارب الثقافية، وتخلق ثقافة جديدة وتقربها إلى الشباب، ولهذا طالما أن القنوات الفضائية قادرة على تحقيق الثقافة فإنها لا تستطيع أن تنمو بطريقة مرضية من دون الاستعانة به.

ومن الذي تقدم يبرز سؤال مهم:  ما الثقافة التي تقدمها القنوات الفضائية ؟

مما لا شك فيه هو أن كل رسالة إعلامية تقدمها القنوات الفضائية لا تخلو من ثقافة، ولكن أي ثقافة، هل هي ثقافة جادة، هادفة أم هي ثقافة إستهلاكية سطحية؟

وهذا يتحدد من خلال المضامين الإعلامية التي تحملها برامجها، وهذه المضامين مرتبطة بطبيعة السياسة الإعلامية التي تسير عليها القنوات الفضائية ، وهذا ما يبرز ثقل المسؤولية الملقاة على القنوات الفضائية ودقة وظيفتها، إذ ينبغي ألا يقتصر على نقل الثقافة ونشرها، بل هي مطالبة أيضاً بانتقاء محتواها الهادف، وتسلمنا هذه المسألة إلى قضية تتعلق بالتلفزيون ومشكلة الثقافة الجماهيرية  Culture Mass ، فالثقافة الجماهيرية هي (السلع الثقافية التي تنتج فقط من أجل السوق الجماهيري، وهي سلع متماثلة ومتشابهة لأنها تميل إلى إرضاء أذواق جمهور غير متنوع). إنها المضمون الثقافي الهابط الذي ينشره التلفزيون، وتتعرض له جماهير عريضة، ومن أمثلته الدراما التلفزيونية التي تركز على الجريمة وتؤكد جانب العنف والأفلام الخارجة عن الآداب، والأغاني التي تنطوي على إيحاءات جنسية وغيرها من أنواع المضمون الذي يؤدي إلى تدهور الذوق العام، وإثارة بعض الشباب وجعلهم يقدمون على سلوكيات غير مقبولة اجتماعياً.

إن مشكلة الثقافة الجماهيرية ترتبط بالتلفزيون ارتباطاً وثيقاً، ولكي تعالج هذه المشكلة ينبغي أن تكون مضامين البرامج التلفزيونية ذات مضامين هادفة وعميقة، توعي المجتمع وتخدم تنميته وينبغي أيضاً أن يعطى للبرامج الثقافية جل الاهتمام، بحيث تأخذ مساحة أكبر في الخريطة البرامجية للقنوات الفضائية ، فالعديد من الدراسات التي أجريت حول برامجها، تظهر نتائجها أن نسبة البرامج الثقافية نسبة ضئيلة مقارنة بنسبة البرامج الأخرى، وأن الشباب لا يعطيها منـزلة متقدمة في أفضلية المشاهدة كما يعطي للبرامج الترفيهية، الأمر الذي كرس حالة من الاندفاع بالبرامج الترفيهية على خريطة البث البرامجي، على حساب البرامج الثقافية.


في الخميس 16 يونيو-حزيران 2016 01:29:23 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=2620