الوحدوي التي في خاطري
فائز عبده
فائز عبده

«الوحدوي» التي في خاطري


الصدفة وحدها ربما مكّنت شاباً تخطّى لتوّه عتبة الـ20 عاماً، من الانضمام إلى طاقم صحيفة "الوحدوي" في أوج فترة ازدهارها المادي والمهني، منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
ذاك الشاب هو كاتب هذه السطور، وكان ذلك تحديداً في شهر يوليو من العام 1996. حينها كنت عاطلاً عقب تركي، منذ شهرين، العمل في المقر المركزي للتنظيم الناصري. وكان الأستاذ حسن العديني، رئيس التحرير، على علمٍ بإلمامي بقواعد النحو، فاقترح توظيفي للعمل كمراجعٍ لغوي، خلفاً للأستاذ سعيد العسلي الذي غادر، قبل أسبوعٍ، لدراساتٍ عليا في الأردن.

نهضتُ بالمهمة التي أدركتُ من يومها الأول، صعوبتها، وخطورة المسؤولية المتعلقة بهكذا عملٍ مهم. ولقد ساعدني في الشهر الأول كلٌّ من علي السقاف، وسامي غالب، لجهة تقاسم العمل، وتسلمت بنهايته نصف راتب سلفي. 4 آلاف ريالٍ كانت مبلغاً معتبراً لمن كان يتقاضى نصف ذلك. ومنذ الشهر الثاني تقرر اعتماد راتبٍ شهريٍّ قدره ثلاثة أمثال ما كنت أتقاضاه في عملي السابق.
قضيتُ في العمل بصحيفة "الوحدوي"، 12 عاماً وبضعة أشهر، اكتسبتُ في مستهلها مهنةً ممتعةً، واستفدت خلالها الكثير من المعرفة، خضتُ تجارب، تعلمت دروساً، وكوَّنت علاقاتٍ أتاحت لي العمل لاحقاً في عديد مطبوعاتٍ.
ظلت "الوحدوي"، لفترةٍ طويلةٍ، مدرسةً للصحافة الملتزمة؛ بمهنيتها ومصداقيتها، وموثوقية مصادرها، درجة أنْ كان عديد صحفيين ومراسلين يستقون منها الأخبار، ويعتمدون على مصادرها الخاصة.
وخلال 20 عاماً، هو عمر الصحيفة التي دشنت، في صنعاء، إصدارها العلني كصحيفةٍ أسبوعيةٍ ناطقةٍ بلسان التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، في 27 سبتمبر 1990، بعد أن كانت تصدر كمجلةٍ في الخارج، منذ 13 يونيو 1981.. خلال تلك السنوات، حققت "الوحدوي" مكانةً مرموقةً كصحيفةٍ معارضةٍ متزنةٍ، موضوعيةٍ ورزينةٍ، وذات مواقف مشهودةٍ، وامتلكت شعبيةً كبيرةً، وانتشاراً واسعاً في أوساط كافة ألوان الطيف السياسي والفكري، متجاوزةً حدود الأيديولوجيات وعوائق المكان وتباين الشرائح وفوارق الطبقات.
ولقد كان جو العمل عامراً بالألفة التي تخلق لدى العاملين شعوراً بكونهم أسرةً واحدةً يسودها التعاون والتكامل، ويغمرهم في ظله الود والاحترام المتبادل، فضلاً عما كان يجمعهم من انتماءٍ للوحدوي؛ الصحيفة والتنظيم.
12 سنةً ونيفٌ من الشهور، هي الفترة التي أمضيتها في "الوحدوي"، تزامنت مع مرحلةٍ مهمةٍ في حياتي، ابتدأت شهرين قبل إتمامي الـ20 من العمر. رافقتُ في تلك الفترة الرائعة، كوكبةً مميزةً من الشباب والأساتذة الأعزاء.
عشتُ أياماً مترعةً بحلاوتها وروعة أوقاتها، مع زملاء عملٍ؛ رحل عن الصحيفة غالبيتهم: عبدالباسط القدسي، طلال العليمي، سامي غالب، أحمد سعيد، عبدالحفيظ العليمي، خالد الأعجم، توفيق عبده، عبدالله الخولاني، حمدي البكاري، نائف حسان، وهيب النصاري، فتحي أبو النصر، هاشم علي عابد، عبدالعزيز إسماعيل، محمد الغباري، سميرة عبدالله، جلال الشرعبي، محمد الصبري، أنس سنان، جمال عامر، محمود شرف الدين، محمد شمسان، مختار عبدالقادر، رشاد علي، عدنان مصطفى، رياض السامعي، سامية الأغبري، أشرف الريفي، عادل عبدالمغني، زكريا الحسامي، معاذ المقطري، وسيم أحمد، خالد السنباني (الترتيب لا يحمل أية دلالةٍ).
وكانت هذه الفترة شهدت تداولاً سلساً لرئاسة تحرير "الوحدوي"، ابتداءً من حسن العديني الذي كنت -ولا زلت- أستمتع بكتابته وأستفيد من قراءته، علي سيف حسن بفترته القصيرة التي كانت محطةً لانطلاقته إلى العمل السياسي الحزبي والعام، عبدالعزيز المنصوب الذي بذل جهداً لمسنا ثماره، غير أن عوائق حالت دون استمرار ذاك العطاء، وعلي السقاف؛ الأخ والصديق الحبيب، الذي ما فتئ يتعهدني بالرعاية والنصح، والذي تزامنت استقالتي من العمل في هذه الصحيفة، بداية العام الماضي، مع استقالته من رئاسة التحرير.
على أنه يتعين ألا أغفل هنا دور قيادة التنظيم في الدعم والإشراف والمتابعة، وفي صدارة الجميع يستحق الأستاذ عبدالملك المخلافي، الأمين العام السابق، الإشارة إلى أنه كان يتفهم احتياجات الصحيفة، ويشعر بمعاناة العاملين، ويستحق الأستاذ سلطان العتواني، الأمين العام الحالي، أن أسجل له استماعه، ما أمكن، إلى هموم الصحيفة وعامليها، ووعوده الحاسمة بالحل.
تتوالى الذكريات، وتتوالد الأفكار. تسترسل الاستحضارات، وتستطرد المشاهد. تحضر أحداثٌ وأسماء، وتذهب، أُمسك ببعضها، وتفلت أخرى.. لكنْ، يبقى ما سبق لمحاتٍ عن "الوحدوي" التي في خاطري، وتبقى هي بالنسبة لي، تجربةً غنيةً بالفائدة وبالدروس، ثريةً بالمعرفة وبالأشخاص الذين عرفتهم وخَبِرتهم. إنها تجربةٌ مهمةٌ بمقدار أهمية السنوات الـ12 من عمري، التي دفعتها ثمناً لها، أحاول، منذ استقالتي، في مارس 2009، أن أقنع نفسي بأنه عادلٌ ومستحق.
2/8/2010
faizabdo@gmail.com

في الأحد 10 أكتوبر-تشرين الأول 2010 03:17:40 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=275