سر إعجابي بما قالهُ القاضي الأمريكي
موسى مجرد
موسى مجرد
لا زلت أتذكر تلك الكلمات في ذلك اليوم وينتابني الآسي ومرارة الحلق وغصة القلب اللذان يخالطهما الإنبهار والأعجاب في آنٍ واحد !! من كلام ذلك القاضي الأمريكي حين كان يخاطبنا في السيرموني ) .  Ceremony الأحتفالية (
التي أقيمت لنا على قاعة المحكمة الفيدرالية يوم أن تم منحنا الجنسية الأمريكية حيث كان عدد الحاضرين ما يربوا على المائتين شخص من جنسيات متعددة ومختلفة جأت من كل أصقاع الدنيا ولا زلت أتذكر ما قاله لنا حينذاك مخاطباً :
أيها السّيدات والسّادة نحن نعلم الرحلة الصعبة التي قطعتم والأوطان الغالية التي فارقتم طمعاً بمصير أفضل لتستقروا في هذا البلد الرائع . أيها السادة نحن فخورون بهذا الأستقطاب لمائتين إنسان ينتمون الى ما يزيد عن خمسين جنسية ...
وتابع : دخلتم هذه القاعة مهاجرين وتخرجون مواطنين مثلي لا أتميز عنكم بشئ الحق أقول لكم عيشوا بهذا البلد كما شئتم وأعملوا في أي مكان تحبون وأدخلوه وغادروه في اللحظة التي ترغبون وأعتنقوا الدين الذي به تؤمنون عيشوا بعاداتكم وتقاليدكم وبثقافاتكم التي تربيتم عليها وتعلموا قول الحق والعمل به وفي ذلك لومة لائم لا تخشون .
علموا أولادكم ذلك وعلى محاربة كل أنواع التمييز العنصري والجنسي كونوا حريصين .
ثم أردف قائلاً : لستم أنتم من تحتاجون إلى أمريكا اليوم بل أمريكا هى التي بحاجة إليكم فقد أزدادت بكم قوة عن ليلة البارحة ولأمريكا الشرف والفخر بأنتمائكم إليها .
وفي النهاية ختم القاضي كلامهُ قائلاً :
 والأن قوموا فليسلم بعضكم على بعض فقد أصبحتم بنعمة الله تجمعكم هوية واحدة ويجمعكم وطن واحد .
عندها لم أتمالك نفسي كما لم يتمالك معظم من في القاعة عن إمساك دموعهم المبلله بذكريات مؤلمة من جمهوريات الخوف والتشرد .. آجل .. لقد رأيت دموع ألألم طافحة على الوجوه تخالطها دموع أمل بعد يأسٍ من أوطانٍ لم يبق فيها مكان للمواطنة العادلة وفي تلك اللحظات وعلى إيقاع المراسيم وصدى تلك القاعة المهيبة أختلط الفرح بالألم بتثبيت القدم في أرض الأحـــلام والفرص أرض تجمع في أركانها سحر الطبيعة مثل ما جمعت سحر المال , العلم , النظام , العدالة والأخلاق القويمة في المعاملات تلك الأسس التي بنت عليها حضارتها المعاصرة والتي أوجدت من خلالها كل الضمانات الكاملة لحياة حرةٍ كريمة هانئة وهادئة .
هكذا شاء القدر أن نكون مثل ما شاء أن تكون أمريكا الوطن الآمن المستقر والمزدهر الذي نعيش فيه اليوم وطناً ثانٍ لنا ولكن رغم كل المقومات والمميزات الحضارية المدنية الراقيه التي تزخر بها والتي فقدناها هناك حيث كان وجودنا الأول مَنْ مننا لم تسقمهُ تباريح الحنين ... والذكريات إلى الماضي ... وإلى أرض الأباء والأجداد ... ومَن مننا لم يدرك أن الغربة قد أستنزفت أيامهُ وأن الشيخوخة قد غزتها على حين غره ... لكن عقولنا وقلوبنا تظل باقية هناك ترحل كل يوم الى البعيد الى حيث السّماء الأولى للمكان الأول إلى تلك الأرض التي بصقتنا من جوفها يوماً للحياة للمرة الأولى لتلامس نبض الأهل والأحبة وتعيش مع الوطن ومع همومة وجراحاته تفرح لأفراحة وتحزن لأحزانه ...
 فالوطن ليس إسم أو مسمى ؟؟ أو عبارة عن كلمات جوفاء حفظناها كالببغاء تناقلتها الروايات و حكايات جداتنا العصماء وأصبحت شيئا من الموروث حالها حال الحكايات الخرافية التي نسمعها ذات مساء ...
بل الوطن مسمى ومعنى أكبر من كل الأسامي والمعاني هو المَهدْ والبيت وقن الدجاج وقفير النحل ورائحة الخبز والسماء الأولى هو زهرة البن والعنب هو رحم الأم الذي ترعرعنا فيه ورعانا حين حملنا في أوردته وشرايينه أجنة وصغاراً وكبار حلمنا به حين رضعنا حبه أن نلوذ في حِماهُ من جور الزمن وخبايا الأقدار وأن يطعمنا الأمن والسّلام ويهدينا البسّمة والريحان يتعلق بنا ونتعلق به كحبل سري يفدينا ونفديه بغض الطرف من المفدي ومن المُفدى لا يفرط بنا حتى وان دفع كل ذرات رماله من أجلنا ولا نفرط به حتى وإن ملكونّا الشمس والقمر لا يكمم أفواهنا ولا يتاجر بكبريائنا ولا يلقمنا الحصرم أو يجرعنا كأس الحنظل نضعه بين رموشنا لا نغفو إلا على بطاحه وهضابه وسواحلهُ الحالمه ولا ننجو إلا على مراسيه ولا نصان إلا بأرضه ولا شرف لنا إلا بعرضه .
ولكن إن أفرغ الوطن من كل معانية وأصبح كابوساً يغتال الأحــلام الوردية التي تؤنس ضمائرنا الحية وسكينة أرواحنا المترفة بحب الوطن والأنسان ... حين يختزل الوطن كل زمانه ومكانه ، حضارته وهمجيته ، إنتصاراته وإنهزاماته أفراحه وأتراحه عفيفاته وعاهراته مفكريه وجاهليه ، حين يختزل كل شيء فيه بشخص قابيل وهابيل ويحّول أبناءه إلى صنفين لا ثالث لهما قاتل أو مقتول .... وحين يتحول الوطن إلى شيطان رجيم يغوي الجبل بمقاتلة الوادي واليابسة بمقاتلة البحر حين يصبح وطن النفاق والشقاق أليس إسماً مسّجوع ومقفّى ماذا نريد أكثر من هذا ؟؟ وحين يلبسنا الوطن خرقْ بالية منسّوجة من الذل والمهانة والجوع والحرمان ويوهمنا أنهُ عمامة الرأس التي لا شرف لمن ينزعها يظل يبقى السؤال الخالد ؟؟؟ هل تستحق تلك الأوطان أن نبقى بلا وعي وبلا بصيرة ننادي بها ونقاتل من أجلها لنعلي بنيان جورها واضطهادها لنا ... أم علينا رفض حالها المزري والمخزي والبحث عن ألف طريق وطريق لبناء وطن جديد يستحق شرف إنتمائنا وثمن دماءنا وان يكون وطناً بمقاساة كبريائنا لنفخر به ويفخر بنا لا وطن نخجل منه . 
أعزائي ...
إن سر إنبهاري وإعجابي بما قاله ذلك القاضي الأمريكي ليس دعوة لكم إلى الهروب إلى خارج الحدود أو إنسلاخ من وطنيتي وعروبتي بل دعوة لنتحرر من أوطاننا المخزونه بالفساد والمكلومة بإنتهاك الحريات إنها دعوة إلى التساؤل ؟؟؟ لماذا نكره أمريكا ونتمني أن نحصل علي تأشيرة الدخول إليها والإقامة الدائمة فيها بإعتبارها جنة من الجنات المفقودة في أوطاننا !!!

أليس هذا التساؤل يستحق وقفة حرة وجريئة ؟؟؟

موسى مجرد
كاتب يمني / أمريكا
mousa313@hotmail.com
 
 

في الخميس 21 أكتوبر-تشرين الأول 2010 08:13:53 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=283