أسئلة الموصل وغيرها
حسن العديني
حسن العديني

استأثرت معركة الموصل باهتمام أزاح إلى مرتبة ثانية وثالثة أخبار حروب ممتدة في الفضاء الواصل من اليمن في الركن الغربي لآسيا إلى ليبيا في قلب الشمال الإفريقي. في استثناءات قليلة احتفظت حلب بموقعها في صدارة المشهد، وفي ظروف طارئة برزت أحداث أخرى.

لا أعتقد أن توجه الأنظار إلى الموصل نابع من كونها عاصمة «داعش» ومركز رئيسها الارهابي «أبو بكر البغدادي» أو أنها معقله الأخير. وأحسب أن أسباباً مهمة على صلة بالجغرافيا، وبالديموغرافيا والتاريخ، تضع الموصل في قلب شواغل العالم الآن، ومنها ما سيترتب على القتال من نتائج عميقة التأثير على المنطقة كلها.

تتجه بعض الظنون إلى أن معركة الموصل ستقرر مصير «داعش»، وأنها قد ترسم معالم مستقبل التنظيم العابر للحدود والقارات. ذلك بعض الظن، وأغلبه أنها ستضع الخط الأول في «ماكيت» الخرائط المؤسسة لتفكيك دول المنطقة وتركيب إمارات وممالك فوق أنقاضها.

وفي أول الأشياء قد نرى أن «داعش» ليس تنظيماً طارئاً وعابر سبيل يمكن اصطياده على قارعة الطريق. والشاهد أن العالم كله بات مشغولاً به، وأن القوى الكبرى اندفعت نحوه بطاقات مشحونة بلا حدود وتنافس على القتال عجيب. وقد يبدو أنها صادقة في إدراك خطره ولكن وراء الغيوب أشياء، فوق استحالة تجاهل الدوافع الاقتصادية والسياسية من تشغيل صناعة السلاح ووسائل ولوازم الحرب، إلى إضعاف الخصوم وتعزيز الهيمنة على الأتباع.

تنظيم «داعش» الارهابي في حقيقة الأمر هو قاطع طريق قرر الثبات على الأرض وتأسيس «دولة». ولهذا فإن غريزة الحياة سوف تدفع هذا التنظيم إلى أن يبحث عنها في أي مكان وبأي ثمن، والأقرب إليه سوريا حيث هناك امتداده، وهناك وسائله وحاضنته. ويصبح أول الأسئلة عما إذا كانت حرب الموصل ستؤدي إلى تقوية التطرف في سوريا على عكس التصريحات المرسلة.

الثاني هو سؤال الطائفية في العراق وما إذا كانت نتيجة الحرب ضد «داعش» في الموصل ستخمد الحديث عن الطائفية، خصوصاً مع مشاركة الحشد الشعبي في هذه الحرب ومغزى إصرار الحكومة العراقية على مشاركة الحشد الشيعي في معركة الموصل، وقد يتجرأ مناصرو «داعش» بإلباس حرب الموصل ثوباً طائفياً باعتبار تصديها للحشد الشعبي دفاعاً عن استقلال العراق من الهيمنة الإيرانية.

يتفرع من سؤال الطائفية سؤال الأقليات من واقع أن الموصل تمثل النموذج الأفصح عن التعدد. وكان الضامن دائماً لحياة كريمة للأقليات هو الدولة الوطنية وغلبتها على النعرات والانتماءات الضيقة، إذ إن حرية الطوائف الصغيرة توفرت في البحر البشري الواسع. والآن تطل الطائفية منذرة بتمزيق البلاد إلى كانتونات لن يجد فيها الآشوريون الإيزيديون والتركمان والكلدانيون سوى الفزع مما قد يصيبهم من جيران آخرين.

وتجيء من هنا المشكلة الكردية وتطرح سؤلها فيما أصبح للبيشمركة جيشاً قوياً وغدت كردستان العراق دولة ناقصة السيادة، ولكنها في واقع الأمر ند يتيح لأربيل أن تتعامل مع بغداد بنفس اللياقة. ولم يبق لفك الارتباط إلا اعتراف دولي ستقوده الولايات المتحدة في أجل لم يتقرر.

ثم يبنى على هذا السؤال الأخير والأخطر ويتعلق بدور تركيا ومطامعها فهي تدخل الحرب بقرار معزز من أمريكا ومستهتر بالعبادي وحكومته، فيما إن الحكومة التركية تطالب بريطانيا بتعويض قررته اتفاقية لوزان في 1923، وفي ذلك ما يبعث على السخرية إذ سيكون على الوطن العربي سداد فواتير استقلاله عن القسطنطينية لأردوغان الذي يرمي بحباله في سوريا أيضاً، تماماً مثلما تعمل طهران على استرجاع إرث «سيف بن ذي يزن» في اليمن.

إن هذه الأسئلة وغيرها تلقي على العرب مسؤولية أن يكبروا فوق الأحزاب والطوائف والصغائر، وإلا فإن القادم أفظع من الخراب المرئي الآن. –

نقلا عن الخليج الإماراتية


في السبت 05 نوفمبر-تشرين الثاني 2016 10:30:59 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=2900