المجتمع الدولي وهو يفرض حجراً صحياً على اليمن
عادل عبدالمُغني
عادل عبدالمُغني

أزمة جديدة تطل برأسها على اليمن المثقل بأزمات ومشكلات عدة عصفت به أو تكاد. مصدر الأزمة هذه المرة طردين مفخخين كانا في طريقهما جواً من اليمن إلى الولايات المتحدة الأميركية، اتهم ما يسمى بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب - الذي يتخذ من اليمن مركزا له - بالوقوف ورائهما، الأمر الذي ضاعف من آلام البلد المثخن بجراح غائرة على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، لم تلئم منذ سنوات عدة خلت.

ولأنه اليمن ، فقد قوبلت الحادثة بضجة سياسية كبيرة رافقتها حملة إعلامية واسعة استهدفت النيل من سمعة اليمن وتصويره في مخيلة المواطن الغربي على انه الخطر القادم الذي يهدد امن واستقرار العالم.

وفي مبالغة واضحة تشي بأهداف خفية تقف وراء الحادثة حاولت الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول الغربية تذكير العالم بأحداث 11 سبتمبر، وخلقت حالة من الهلع والرعب في المطارات العالمية، وتتالت القرارات من أكثر من دولة غربية بإغلاق مطاراتها أمام طائرات الشحن القادمة من اليمن، وامتد الأمر ليطال طائرات الركاب القادمة من صنعاء كما فعلت الحكومة الألمانية، وبدا المجتمع الدولي كما لو انه يحاول عزل اليمن عن العالم أو فرض حجراً صحيا عليه.

وكما توعد الرئيس الأميركي جورج بوش بالقضاء على تنظيم القاعدة وملاحقته في جبال أفغانستان، عقب تفجير برجي التجارة العالمي بنيويورك في أيلول من العام 2001م، خرج الرئيس أوباما بعد مضي نحو عقد من الزمن ليتوعد بذات الطريقة أمام ملايين الأميركيين الذين كانوا يتابعونه بذعر عبر شاشات التلفزة بـ"تدمير القاعدة في اليمن"، ليصدر على الفور أولى توجيهاته لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) باغتيال اليمني أنور العولقي الذي يحمل الجنسية الأميركية ويرجح انه مختبئ في اليمن وتحديداً بمحافظة شبوة مسقط رأسه.

وفيما كانت الإدارة الأميركية تدرس الخيارات التي ستتبعها تجاه اليمن، ومن بينها الحلول العسكرية كان عدداً من الجنرالات في لندن يتحدثون - بالتزامن - عن إمكانية التدخل العسكري البريطاني في اليمن.

ودون عناء كبير يمكن الربط بين كل هذه التداعيات الغربية على المستويات الإعلامية والسياسية والأمنية لالتقاط صورة واضحة وجلية لإبعاد الحادثة وخفاياها التي باتت واضحة للعيان. 

فما هو مؤكد أن هناك أجندة أمريكية بريطانية في التواجد العسكري على الأراضي اليمنية ومياهه الإقليمية، للسيطرة على الموقع الاستراتيجي الهام على المستوى الإقليمي والدولي، وما يتطلبه ذلك من مبررات وذرائع مقنعة للتواجد في المنطقة.

وما هو معلوم أيضا أن هناك خلاف محتدم بين وجهتي نظر داخل الإدارة الأميركية حول تدخل واشنطن في اليمن. الأولى ويتزعمها البنتاجون تدعو لشن ضربات عسكرية داخل الأراضي اليمنية، فيما تطالب وجهة النظر الأخرى التي تتزعمها الخارجية الأميركية بإرسال قوات أميركية لتدريب القوات اليمنية على مكافحة الإرهاب، ومن ثم ترك مهمة مواجهة القاعدة لقوات يمنية مدربة بعد تزويدها بالأسلحة والمعدات الأخرى إلى جانب المساهمة في التنمية.

والواضح أن البنتاجون حاول تغليب وجهة نظره نحو اليمن من خلال حادثة الطرود المفخخة، التي بدت تداعياتها المتسارعة وما رافقها من إجراءات كما لو أنها أعدت سلفا، خاصة بالنظر إلى التطور التقني الهائل في الطرود المفخخة واستخدام قنابل سائلة عجزت أجهزة المطارات الدولية والكلاب المدربة عن الكشف عنها ، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة تنظيم القاعدة على صناعة مثل هذه المتفجرات التي كشفت عنها المخابرات السعودية، للمخابرات الأمريكية والبريطانية في تصرف يترك عديد علامات استفهام.

محاولة للأفغنة

ورغم الأحاديث التي تتردد في أكثر من بلد حول العالم وما تردده وسائل الإعلام من أن اليمن سيكون المحطة القادمة في الحرب العالمية على الإرهاب إلا أن هذا الطرح ربما يبتعد كثيرا عن واقع اليمن بالنظر إلى عوامل عدها بينها التاريخ والجغرافيا، ومشاعر اليمنيين تجاه الولايات المتحدة.

وهو ما تدركه الإدارة الأمريكية جيداً، ويجعلها أذكى من أن تفكر بإرسال قوات عسكرية إلى اليمن، لأنها بذلك تكون قد فرطت بدماء جنودها الذين سيجابهون من قبل قوى الشعب بكل تكويناته وستكون واشنطن بذلك خدمت القاعدة في اليمن وأكسبته تأييد واسع وآلاف الأعضاء الجدد من اليمنيين الذين سيوحدون الصفوف لقتال الغازي الأمريكي مع تنظيم القاعدة الذي يبدو انه يحاول استدراج الأمريكيين إلى اليمن لقتالهم بمساندة وتأييد وشرعية شعبية بدلا من المجازفة الخطيرة في الوصول إليهم في أمريكا.

وبالتالي فان أي تدخل خارجي لا يمكن أن يأتي إلا عبر بوابة الفشل اليمني الداخلي ، وهو ما يجب على السلطة أن تدركه والمسارعة لتوحيد الجبهة الداخلية والتخلي عن عنترياتها وعنادها الذي أوصل البلد إلى ما هو عليه اليوم.

عليها أيضا أن تكف عن الارتهان للخارج، ولعل الصفعة التي وجهتها السعودية في وجه النظام الحاكم من خلال تعاملها مع الطرود المفخخة كافية ليستعيد النظام رشده ومعرفة حقيقة الحليف الاستراتيجي الذي لم يتردد لحظة في كشف عورة اليمن أمام العالم إن لم يكن ما حدث صناعة ملكية بامتياز، لأهداف لم تعد خافية على أحد.

سيناريوهات

وأياً كانت السيناريوهات التي تقف وراء حادثة الطرود المفخخة، فان اليمن يسير في ظل الأوضاع التي يعيشها اليوم نحو الفوضى والاقتتال واللا استقرار.

فان كان تنظيم القاعدة هو من يقف فعلاً وراء صناعة هذه الطرود المتقدمة تقنيا فان ذلك يعني أن القاعدة في اليمن يزداد قوة وصلابة عما سبق وانه يمتلك قدرات عالية ستجعل من اليمن بؤرة حقيقية للإرهاب، ربما تكون الأشرس في العالم.

أما إن كانت أجهزة الاستخبارات الدولية هي من افتعلت الحادثة فذلك يعني أيضا أن هناك توجهاً جاداً وحقيقياً لانتهاك السيادة اليمنية وإرساء قواعد عسكرية غربية على أراضيه ، وان ما يؤخر ذلك هو البحث عن ذريعة تحرص واشنطن أن تكون قوية ومقنعة للداخل والخارج، وها هي قد أتت.

 ويبقى سيناريو ثالث أكثر خطورة وكارثية من سابقيه، وهو أن يكون النظام الحاكم في اليمن وراء اللعب "بنار القاعدة" كورقة ربما لا يزال يعتقد أنها ستمكنه من حسم صراعه الداخلي مع الحوثيين في الشمال والحراك في الجنوب وبينهما أحزاب المعارضة وحركات التمرد على النظام بعد تزايد الأصوات المعبرة عن ضيقها منه في أكثر من منطقة يمنية. فيما يوجهها للخارج كورقة ضغط للحصول على مزيد من المساعدات المادية والعسكرية وتمكنه أيضا من جعل البلد يعيش في حالة طوارئ لا يمكن معها الحديث عن أي إصلاحات سياسية سواء من قبل القوى الوطنية أو المجتمع الدولي. وهو قطعاً سيناريو خطير سيذهب بالبلد إلى أبعد مما يتوقعه أكثر السياسيين تشاؤماً وسيقوده حتماً إلى ما هو أسوأ من الأفغنة أو الصوملة والعرقنة.

  
في الثلاثاء 09 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 10:34:29 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=297