عُمر الجَاويْ قَمَر الشّعر والأدَبْ "
موسى مجرد
موسى مجرد

يقول الأديب والشاعر الفرنسّي الكبير جان كوكتو : (( الشعراء لا يموتون إنهم يتظاهرون بالنوم فحسب )) إنهُم كذلك حقــاً فهذه العبارة شدتني كثيراً وجعلتني أتوقف قليلاً مع واحد من رواد الشعر والأدب في اليمن والذي يصادف شهرنا الحالي ديسّمبر ذكرى رحيله فبرغم أن المنية قد غيبتهُ عنا ولكن ضوضاء روحهُ الجميلة لا زالت في الأثير حاضرة تسّكن بيننا تضئ ردهة المكان بحدسّه وبحسّه المرهف العذب إنهُ الأستاذ القدير فقيد الوطن والثقافة عموماً المرحوم / عمر الجاوي رئيس إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الموحد قبل الوحدة وبعدها ولعل من محاسن الصدف وترتيبات القدر أن تكتب مقالتي هذه تزامناً مع قيام موقع البديل مؤخراً بنشر قصيدتهُ التي تحمل عنوان (( نعي )) يشكر الزميل الأخ / عمر الضبياني رئيس التحرير على هذه الألتفاتة الطيبة منه ُوالتي جسد من خلالها معاني التوحد الجميل والوفاء مع شخصية الجاوي الذي دخل قلوب الناس بلا أستئذان فالتاريخ لن ينسى أي مثقف أبى (( آزال )) كان كما يذكرنا برحيله الذي لا يعوض فقد نحتاج لزمن حتى يعيد الوطن إنبات مثل هذه الثمرة اليانعة التي قطفها الزمن الردئ ؟؟ .. وكأن قدرهُ من العظمة أن لا يبقى حيث لا يجب أن يكون بيننا اليوم .. ولماذا يبقى ؟؟ إذا ذهبت الأوطان مع ما ذهب من القيم والمبادئ .
حين تتبعنا لفضاء التألق والأبداع لدى الجاوي في أشعاره وكتاباته يجعلنا نحلق فوق غيوم قطنية ناعمة الملمس خفيفة كالريش متحركة بأنسياب رقيق تدثرنا بحلم ندي وتأخذنا معها في رحلة سحاب إلهي حتى نجد أنفسنا في سقف الكون نلعب مع النجوم ونسمر مع القمر في سماء صنعاء وعدن فنقطف منها باقةٍ للذكرى ثم لا نلبث أن نستيقظ مع الفجر فتحصد أرواحنا الضائعة حزمة من سنابل ذهبية لأشعة شمس سرقت مننا زمناً وكأن سمائنا اليوم غير سماء وطننا القديمة.. ثم لا يلبث أن يصيبنا حديث قلمهُ بخدر ونشوة عصفور شعر للتو أنه يحسن الطيران فخط بجناحية أول دروب التحليق فوق غابات من عدن الخلود ....
وقد أكون أقل الناس الذين ربما يطرون عليه وعلى ما قدم فلا طقوس لدي للكتابة في الحزن والفرح أو في المدح والذم أو ما شابه ذلك ولكني أكتب حين تملي علي روح الحقيقة وعندما تلفحني المشاعر الصادقة ولا أصدق من أن أكتب فيمن نال وأستحق الإجلال والوفاء من المخلصين الوطنيين من مبدعينا ومثقفينا فألأبداع لدى الجاوي ظاهر وجلي من بين حروف كلماته كالشمس في رابعة النهار .. فالمرحوم كان مدرسة مكتظةٍ بروح الثقافة والإبداع والحس الوطني .....   
 فهو القائل : (( يا رفيقي .. مقلتينا .. أنفاسنا ضوء النجوم على ذرى شمسان )) فيا لعذوبة روحه الجميلة ويا لروعة الأبداع والحس المُرهف المتقد بالوطنية والحماسة رحمة الله تغشاك يا أستاذي الفاضل / يا فقيد الوطن ويا قمر الشعر والأدب فلكلماتك ولشعرك في هموم اليمن المدى فلك المدى كل المدى فقد كنت مشكاة النضال العريض من بعدك ظلينا بين القصدية وبين الترنح على مزالق اللغة المعوجة فقم وأنهض من سباتك السرمدي علمنا كيف يُقرض الشعر وكيف نكتب ونستمر حتى تنكسر كل الأقلام المأجورة والمعتوهة الفاشلة في حب الوطن وحب الناس قُُم لعلك تعيد دهانقة الشر ومرضى النفوس إلى هُداهم وصوابهم فبدلاً من أن يصلحوا ما خرب يلهون أنفسهم بنا ونحن نعلم بأنفسنا بأننا أصحاب الحس الوطني وأنهم الثلة الخطرة التي تعوم في مستنقعٍ آسن فهم ليسوا بكُثر من حولنا ولكننا نراهم هناك دوماً بين مُبشر ومنذر ؟؟ وبين جبان مختبئ وراء أسماء مستعارة وخبيث همهُ الوحيد النهش والثلب ومحاولة إلحاق الإساءة بالوطن وبالأخرين أنهض لتصدهم فأنت من وصفتهم (( بمواكب الجرذ الحقيرة ))
 أولئك أنصاف العقلاء وأرباع المتعلمين بالمنفعة إنهض وعلمهم أن الشجاعة تفرض على الأبطال كشف وجوههم الحقيقية وألا أن ينفثوا سمومهم من وراء أفواههم الملثومة .. أسألهم ..؟؟ كم من الوقت لا زالوا يحتاجون حتى يدركوا حقيقة ما قلت : (( لن تعبروا فالنخل .. والصبار والمُهج الصغيرة حرس لوحدتنا )) نعم لن يعبروا !! صدقت يا أستاذي لقد قلتها ولم تذهب بعيداً شر مذهب كما ذهبوا رغم أن الأوطان لم تعدنا سوى بالويلات نتعفر فيها بالدمع ونتوضأ بالحسرة ولكن تظل بيادر كلماتك السامقة في معانيها قناديل نجوم تركتها لنا لعلنا نطل منها وبها من على ذُرى شمسان وعيبان على قمرك الجميل .. الذي أختزلت فيه وبقلبك الكبير حب اليمن الموحد شماله وجنوبه ، كما أختزلتنا جميعاً وحملت همنا وحزننا ، حلمنا وحبنا وكبريائنا حتى وحين ذهبت لتنام قليلاً في خلود غيابك السرمدي تركت لنا هنا خلود أخر إنهُ خلود حضورك الدنيوي المدهش والنبيل .
صرير القلم :

بعيد أنا يا وَطنْ
أُسامر الدُجى ...
أعانق الأحلام ... ْ
أُقبل شفاه الحَزنْ
***
على فنجان قهوتي
في كل صباحٍ
أرتشف مع نكهة البُنّ
أوجاع صعدة وعَدنْ
 ________________________________________
موسى مجرد
كاتب وشاعر يمني / أمريكا
mousa313@hotmail.com


في الثلاثاء 14 ديسمبر-كانون الأول 2010 04:49:54 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=319