الناصرية .. الفكر المتجدد والخيار الحل
فخر العزب
فخر العزب

غيب شمس كل التجارب التي سبقتها , فتدخل كتب التاريخ لا تغادره .. تثبت فشلها وتعلن عن حفر قبرها بنفسها .. تضمحل وتموت لتبقى مجرد تجارب إنسانية لمراحل مؤقتة لا أكثر ..
لكن الناصرية شي أخر وتجربة تحيا كل يوم .. الناصرية فكرٌ متجدد مع كل شمس , مشروع يخلق من جديد ليواكب الزمن , ويتعايش مع العصر , أيدلوجية تحرر العقل من كل الأصفاد , عقيدة راسخة في ذاكرة التاريخ إلى الأبد , وهي قبل هذا وذاك مشروع الأمة العربية من المحيط إلى الخليج , والفكر الذي لا شريك له لكل أحرار العالم .
ومع ذلك تبقى للناصرية إخفاقاتها وانتكاساتها التي حُفرت بذاكرة الأمة , ونكـَّست رؤوس أبنائها , ولها هزائمها وأخطاؤها كتجربة إنسانية لقائد عظيم , وبالرغم من ذلك كله فإننا نتعلم من سلبيات الناصرية أكثر من تعلمنا من إيجابياتها , وكلما تعلمنا من دروسها صرنا أكثر إيماناً وتصديقاً بها , صرنا أكثر قرباً من أقانيم مبادئها وأفكارها , وأكثر يقيناً أن الناصرية تبقى مشروع الأمة الذي لا خيار للأمة سواه .. ولكن لماذا كل هذا اليقين بأن الناصرية هي الفكر المتجدد والخيار الحل ؟؟
وحين نريد أن نجيب فإننا نقول إن الناصرية لم تكن يوماً من الأيام تجربة انتهت برحيل قائدها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر , أو مشروعاً أفل نجمه مع هزيمة حزيران 67م , بل على العكس من ذلك فقد كانت تلك الفترة هي بداية البداية لامتداد الناصرية وانتشارها في جميع أقطار الأمة , وهي مع ذلك تعلن عن نفسها وتقدم نفسها كمشروع للتقدم يقوم على الحرية والاشتراكية والوحدة , ويستند إلى المراجع الأساسية للخطاب الناصري المتمثلة في ( فلسفة الثورة ــ ميثاق العمل الوطني ــ بيان 30 مارس ) بالإضافة إلى خطابات الزعيم المعلم جمال عبد الناصر .
وإذا كان الميلاد الحقيقي للناصرية كمشروع للتقدم قد ارتبط بثورة 23 يوليو 1952م فإن هذا الميلاد قد رسم معالم الطريق للأمة في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية , لأن ثورة يوليو لم تكن انقلاباً على نظام سياسي بغرض إسقاطه , ولم تكن فعلاً مرتبطاً بمصالح آنية لتنتهي نجاحات الثورة بانتهاء المصالح المرتبطة بقادتها , أو بانتهاء الجيل الذي فجّر الثورة واستفاد من نتائجها المؤقتة , ولكنها كانت ثورة شاملة لم تلقِ بظلالها على مصر وحدها , بل على الأمة العربية والعالم أجمع , ووضعت لنفسها مكاناً أمام الثورات التي غيرت في مسرى التاريخ كالثورة الفرنسية , فكانت ثورة يوليو وكانت الحرية والاشتراكية والوحدة إعلاناً عن مرحلة جديدة تقفز بالأمة من مراحل الجهل والتخلف إلى مراحل التقدم عن طريق تحرر الأمة من الاستبداد والاستعمار, والقضاء على نظام الإقطاع والطبقات , وترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية القائم على توزيع الثروة بين أبناء الأمة , وكذلك السير في خطى الوحدة العربية الشاملة , إيماناً من الناصرية بواحدية الأمة العربية في لغتها وعادتها وتقاليدها وموروثها التاريخي والثقافي .
ولقد جاءت ثورة يوليو لتعلن عن مرحلة جديدة في التاريخ العربي , فكانت الناصرية مشروعاً لتغيير الواقع بمقياس المشروع النهضوي الحضاري العربي , والذي ينتقل بالأمة إلى العصر بقيمه ومنجزه الحضاري والإنساني العام المشترك , وينتقل بها من مراحل الجمود والانحطاط إلى مراحل الانفتاح والتقدم الحضاري بجوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية , ويفتح لها مجالات النهوض ومسايرة الواقع .
ولا شك فقد جاءت عظمة ثورة يوليو الناصرية من عظمة قائدها الذي استطاع بفكره الناضج والمستنير والمتكئ على التجربة الثورية في قيادة المظاهرات ضد الاحتلال , ومشاركته في جبهات القتال في الفالوجا , استطاع أن يلم ولا يشتت ويجمع ولا يفرق , وبحنكة القائد وكرازمية الزعيم كان لقائد ثورة يوليو الفضل في التأليف بين الضباط الأحرار الذين جاءوا من مختلف المشارب السياسية ــ على الرغم من الاختلافات فيما بينها ــ للمشاركة في تفجير الثورة , فأثبت عبد الناصر أن حنكته السياسية التي ظهرت مبكراً قد أهَّلته ليكون صانع أمجاد العرب , ورجل المرحلة الذي تحتاجه الأمة في عصر التحديات وهو يمتطي صهوة الفكر الناصري الذي لا يتقهقر أمام كل المحن والتحديات .
فالناصرية بما تمتاز به من جمال الحق ونبل الغاية , تبقى خيار الأمة في كل مراحل نضالها كونها تقوم على فكر متجدد ذات امتداد واسع بحجم الأمة العربية من المحيط إلى الخليج , وهي بذلك تعلن عن نفسها كمشروع ثالث يتناسب ومقومات الأمة , فالمشروع الناصري لا ينزاح إلى مادية الرأسمالية التي تعمل من أجل الفرد دون المجتمع , ولا إلى مثالية الماركسية التي تعمل بالفرد من أجل المجتمع دون أن تمنح الفرد أي امتياز جراء عمله , ومن هنا كانت الناصرية هي الخيار الحل التي تجمع بين الفرد والمجتمع , وتقوم في أحد مداميكها الرئيسة على الاشتراكية بمفهومها الناصري الذي يستقي معانيه من الأديان السماوية التي تأخذ من أموال الأغنياء فتعطي الفقراء , دون منع الأغنياء أموالهم ومصادرتها دون حق , ليكون تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية في الفكر الناصري إيذاناً بمرحلة جديدة في التجارب الاقتصادية الخالدة على مر التاريخ الإنساني .
إن الناصرية وهي تعلن عن نفسها كحركة قومية منذ بدايات تطبيقها مع قيام ثورة يوليو , قد حصنت نفسها من الانقراض , وأعلنت لنفسها عن ميلاد متجدد مع كل أجيال الأمة , وذلك نتيجة الخصوصية التي تميز الأمة العربية الواحدة ذات النمط الحضاري الواحد والقائم في أساسه على اللغة المشتركة التي أنجبت ثقافة قومية واحدة , بالإضافة إلى عدد من القيم والخصائص الأخرى .

في الجمعة 24 ديسمبر-كانون الأول 2010 07:47:04 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=329