كائنان لا ينقصهما الخلود
أحمد طارش خرصان
أحمد طارش خرصان

أسمع صوتها وهو يخترق كنسيم وبهدوء بالغ الدفء - كلما ضغطت زر الرد على المكالمة - الجدران السميكة لعالمٍ ، لا يبدو أنه سيكف عن إهدار فرصنا بحياةٍ أقلّ ضغينة وأكثر ألفة ومحبة .

أسمع أمي كلما تناهبتني الملمات وداهمتني غوائل الأيام ، لتكون دعواتها الحارس الأمين والمرافق الأكثر حرصاً عليَّ ، في هذا الدرب الشائك والمكتظ بالخيارات السيئة .

لدي أمُّ تراني بعين روحها ، وترى فيَّ ما يذكرها برجل غادرها قبل ثلاثة أعوامٍ ، دون أن يقول لها وداعاً ، لتعيش على بقايا صوته وهو يمنحها حنانه وألفته ومحبته وأسئلةً ، مازالت ترِنّ في أرجاء الغرفة البسيطة بحقائبها الكثيرة : عاد معك علاج حق الضغط .....؟

أبدو قوياً وغير قابل للكسر والقسر ، إذْ

لا يمكن لأي قوة - مهما بلغت أسلحتها - الإقتراب من رجل ترافقه دعوات أمه .

كنت أرقبها وهي تجلس إلى جوار والدي رحمه الله ، وكأنهما يستعيدان ألق لحظاتهما المترعة بكل ما هو جميل وجدير بالتذكر ، مثل عاشقين أظنهما يكملان دورة العشق والتوحد ويتناوبان على تقاسم وجع الحياة وترف الأيام المحبطة .

في منزلنا الذي كان يضج بحركة الكائنات ، كان صوت إب الجهوري يحدث من الجلبة ما يترك لدى العابر الغريب من أمام منزلنا انطباعاً ، أن ثمة سوق شعبي لا يعرف الهجوع طيلة أيام الأسبوع .

تحتفظ ذاكرتي بمشاهد لا زالت حية لعاشقين ، تمكنا من التغلب على قساوة الأيام ، وتدرجا في مقامات العشق حتى بلغا متشابكي الأيدي والقلوب ذروتها ، لينقشا سيرتهما على مداخل أرواحنا - كأبناء - ها نحن اليوم نقف على أعتاب ذكرى رحيل والدي الثالثة رحمه الله تعالى ، وتأوهات امي وتنهداتها المصحوبة بالدعاء لوالدي بالرحمة والغفران .

عاش والدي حياته مثل أي يمني رفقة الكدح والتعب والأحلام التي لم تتحقق ، وقدم في رحلته الطويلة سرديةً لرجلٍ ، ضغط على زناد الإصرار والطموح والتحدي ليصيب الهدف وينجح في الإفلات من فخاخ الوهن واليأس والفشل .

لم تتمكن حياته الممتلئة بالبؤس والتعب من النيل من روحه ، وتجريده من توقه وشغفه بحياة ، اختصرها والدي - رحمه الله - بشربة ماء وعودي قات ، واستطاع بوقار بالغ الفرادة من حمْل ماضيه البائس وإعادة صباغته بطريقة أبعد ما تكون عن ذكرياته الموجعة والمؤلمة ، وهي الطريقة التي نجح فيها والدي من الإنتصار على أيامنا القاسية فيما بعد .

لم يكترث أبي - رحمة الله تغشاه - لمرضه في الأيام الأخيرة وضرب عرض الحائط بكل مواعيد تناوله للأدوية الخاصة بقلبه المعتل ، وهو الذي لم يعهد عنه أن اشتكى - قبل ذلك - من أي وجعٍ ، والذي دفعني تمرده إلى عمل نوبات حراسة يومية تشرف على إعطائه الأدوية بانتظام ، رغم محاولاته الإفلات مثل تلميذٍ مشاكس من إجراءاتي الصارمة ، والتي أثمرتْ تحسناً ملحوظاً في حالته الصحية وتعافيه شبه التام من مرضه .

تقضي أمّي أيامها رفقة أمراض الضغط وهشاشة العظام وأخيراً إنزلاق في عمودها الفقري إضافة إلى مرض الحنين الذي خلفه رحيل والدي فجأة قبل ثلاثة أعوام ، لتكون محاصرةً بحياةٍ سيئة المذاق ، حرمتها من إكمال ما تبقى من حياتها رفقة رجلٍ ، أنفق عمره بين يديها ولم يترك مساحة ما من روحها ، إلَّا وملأها بحضوره وتواجده ، متى علمنا أن زواجهما تم عقب تجربة فاشلة لم تستمر طويلاً، لتنتهي بعد أشهر معدودة ، دون أن يحدثني أبي ذات يوم عن تجربته السابقة وأسباب فشلها ، لكنه كان يحدث نفسه - كما أحسب - عقب زواجه بأمي ، مطلقاً هذه العبارة ( هذا تماماً ما خططت له ) ، برغم أن والدي لم يرابط تحت شرفة منزلها ، فهو لم يكن بحاجة لإثبات رغبته وتفانيه في الإرتباط بها كزوج أبديٍ ، في مجتمع قرويٍ اختزل شرط نجاح الإرتباط والزواج في أن يكون الزوج ( أحمر عين ورجال ) .

لم بكتسب والدي أيّ عداوات في حياته ، حتى الضغائن والأحقاد لم تجد الطريق ممهداً إلى قلبه ، وكثيراً ما كان يتغلب على العداوات الطارئة بتسامحه المعهود وضحكته المجلجلة ، وبيقين من لا يحمل التزاماً لمفاهيم التفوق والنصر والهزيمة ، ولعل فلسفته تلك وطريقته في إدارة الإنطباعات السيئة والمواقف الفجائية الغاضبة ، منحته توصيفاً مجتمعياً لا يكاد يختلف عليه أحد ( أطيب من محمد طارش ما بوش ) .٠

تمر الأيام سريعاً لكنها - شيئا فشيئاً- تبدو أكثر كرماً وقد أعادت إليَّ - ولو بتطابق أقلّ - أبي رحمة الله تغشاه ، كلما تمعنت في أخي الأصغر مني ، وهو يمارس حياته ( حركاته .. خطواته ... صوته ... وحتى أسلوب حياته وتعامله اللا إرادي مع من حوله ) ، كثيراً ما أرمقه بمحبة وامتنان كأخٍ ، وجد والده - رحمه الله - في أخيه الواقف هناك بتسامحه المتوارث وَنَهَمِه الشديد وشغفه غير المحدود بالقات وبطقوس تجعل الجالس هناك أبي... لا أخي ياسر.


في الثلاثاء 12 سبتمبر-أيلول 2017 04:27:37 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=3363