الحمدي.. الرئيس الأسطورة..(1)
سليمان السقاف
سليمان السقاف

تنتمي أسرة المقدم/ إِبْرَاهِيْم مُحَمَّد الحَمْدِي ثالث رؤساء “الجمهورية العربية اليمنية” (اليمن الشمالي سابقاً) -ابتداءً- إلى بني مُسَلَّم (جِد والدِ الرَّئيسِِ الحَمْدِي)، والَّذين يشكلون مع أبناء عمومتهم من بني مُظَفَّر قوام (آل المُظَفَّر) التي تمثِّلُ جُذُورُهُما المُشتَركةُ المتَّصلةُ بأُصولٍ يمنيَّةٍ عَريقةٍ تَرتبطُ بقَبيلةُ “هَمْدَان” اليَمنيَّة، والَّتِي أخَذَت اسْمَها نِسْبةً إلَى الجدِّ الأوَّلِ، وَهوَ “همدان بن وائلة بن ربيعة بن مالك بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن النبي هود (عليه السلام) بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن النبي نوح (عليه السلام)” (سام هو أبو العرب) ..وهَمْدَان وَاحِدةٌ مِن أصْلِ إِثْني عَشَر قَبِيلة تْنسبُ إلى نَسلِ ذرِّيةِ “سـَــبَـــأ” ..
عُرِفَ آلُ المُظِفَّرِ بِكَوْنِهِم أحَد بيوتات الدِّينِ والعلمِ -ربَّمَا- مُنْذُ قُرون مُتقَدِّمة مِن التَّقويمِ القمري (الإسلامي) قدَّمَتْ خِلالَها كَوكَبةً مِنْ العُلََماءِ، ومنْهُم:
• مْحَمَّــد بن حَمْـــزَة بن المُظَفـَّـــر وهوَ عَالمٌ مُبرَّزٌ في الفِقهِ والتَّفسيرِ، تَتلمذَ عَلَى يَديهِ أئِمةٌ، وقيلت فِي نُبوغِهِ القصائدَ مَدِيحاً، لَهُ مصنَّفاتٌ ” البُرْهـَــان الكَـــافِي”، والَّذي يَشْتملُ عَلَى عِشرين مِنْ العُلُومِ (الدِّين واللُّغة والشِّعْر والعُرُوض والطِّب والفَلَك وفَكُّ السِّحْر..وغَيرِها)، ولَهُ كِتَابٌ

فُي النَّحوُ ” شَــرحٌ علَى المُقـــَدِّمة “، وكتابُ ” المِنْهَــاج” فِي الأرْبَعِينِ الحَديثِ السليقية، تْوُفِيَ فِي “صَعْدَة” عام 796 هجرية، ثُمَّ نَجْلُهْ أحْمَـــد بن مُحَمِّـــد بن حَمْـــزَة بن المْظَفـَّــر وهُوَ عَالمٌ مُحقِّقٌ فِي أُصُولِ الدُّينِ، ولَهْ كِتابٌ ” شِــرْحُ الثَّــلاثـين مَسْـألة فِي أُصُـــولِ الدِّيـن” .
• يَحْيـَـى بن أحْمـَـد بن عَلـِـي بن المُظَفـَّـر وهوَ عالمٌ مبَرَّزٌ فِي فِقهُ الزَيدِّيةِ، تْوُفِّيَ بـ “هجرة حَمدَة عَنْ ستِّ ليالٍٍ خَلَتْ مِن شهرِ رَجَب سنة 875 هِجرية، ويعدُّ أحدَ أشهرَ عْلماء آل المُظَفَّر، فقَدْ كانَ الرَّجلُ حُجَّةَ زَمانِهِ، ولَهُ مُؤَلَّفاتٌ شَهيرةٌ منْها ” البيــان الشَّــافِي” ( بَيَان ابْن مُظَفَّر )، ” الدُّر الصَّــافِي ” ، ” المُنْتَــزَعُ مِن البُرْهـَـان الكـَـافُي ” وكَفى أنْ نُشيرَ إلَى تَسميَتِهِ كأحَدِ أربعَةِ علماءٍ ممَّن اُطلق عليْهم بــ ” أَعْمِدة المَذهبِ الزَّيْدي ” ثُمَّ نجلُهُ أحْمَــد بن يَحْيَــى بن المُظَفَّــر (أتمَّ دراسَةَ مؤلفاتِ والدِهِ عام 855 هجرية)، يليهما (الحفيد) مُحَمَّــد بن أحْمَــد بن يَحْيــَى بن المُظفَّــر وهوَ عالمٌ محقِّقٌ فِي الدِّينِ ومؤرِّخٌ، ترجمَ لهُ الشَّوكَانِي فِي ” البَـدْر الطَّـالع “، تُوُفِيَ عامَ 925 هِجْرية وغيرُهم الكثِيْرون..

أمَّا تميُّز (آل الحمدي) بهذا اللَّقَبِ فهُوَ نِسْبةٌٌ لــ “حَمدَة ” الَّتي يتحدَّرون مِنْها، وهيَ قَريةٌ كَبيرةٌ بَلغَ تِعدادْ سُكَّانِها فِي السَّبعِينياتِ -حِقبَة الرَّئيس الحَمدِي- أكثرْ مِن خَمسةِ آلآفِ نَسمةٍ، وعُدَّت مرْكزاً لبِضعِ عشرِ قَرية أخْرى تتناثرُ حولَهَا إِحداهنَّ “رَيْدَة ” الواقعةُ إلَى الشَّرق منْها، وقَدِيمَاً عُرفَتْ “حَمدَة” الَّتي تتبعُ الآنَ مُديريَّة “عِيَالْ سُرَيْح”بأنَّها مَسكنُ (آل الدعَّام) إضَافَة إلَى (آل المُظفَّر) الَّذين انسلخَ عنْهم مُسَلَّم بلقَبِهِ فصَارَ يُعْرَفُ دُونَ بقيَّة آل المظفَّر بــ (الحَمدِي)، ثُمَّ انْسحبَ لقبُهُ علَى ذَرارِيهِ، وسَكَن مُسَلَّمُ قَريَةَ ” هجرة حَمدَة”، وهِي قريةٌ صغيرة ٌ علَى بُعدِ كيلومتر واحِد شَمَال ” حمدة” وسبعة كيلو متر غرب ” رَيْدَة ” ولها ذكر في الكتابات الحميرية..
ولد هذا اللقب أو التسمية مرتبطٌ مع اشتهارِهِم به كأحد بيوت الدين والعلم منذ البداية حتى أن لقب ” الحمدي ” صار أشبه بماركة شهيرة داخل الأوساط الدينية لتواتر العلماء والقضاة -والحكام أيضاً- من أوساطهم، فكان منهم الفقيه صالح بن مسلم الحمدي (جد إبراهيم)، توفي في قرية هَوْمَر ببني العوَّام، وحسين بن صالح بن مسلم الحمدي، ولد بــ “حمدة” في ذي الحجة 1266 هجرية، وهو عالم مشارك، سكن ظفير حجة، وكان يدرس هناك، ثم انتقل إلى جميمة عزان عام 1300 هجرية، كما تولى القضاء في ثلاء ثم في كحلان عفّار، توفي بجميمة عزان في شعبان 1361 هجرية..
• يحيى بن حسين بن يحيى بن اسماعيل الحمدي وهو عالم في الفقه والفرائض، ونجله محسن بن يحيى الحمدي كان عالماً فاضلاً توفي (شوال 1346هجرية)، ثم حفيده محسن بن محسن بن يحيى الحمدي عالم عارف بالفروع وعلم الفرائض (ولد 1346 هجرية) .
• عبدالخالق بن صالح الحمدي (عم إبراهيم) مولده سنة 1301 هجرية وهو عالم في الفقه، وتولى القضاء، أما محمد بن صالح الحمدي (والد إبراهيم) فهو عالم محقق في الفقه مشارك في غيره، تولى القضاء وسيرد ذكره لاحقاً…
ومن هذا النبع المتجدد طوال قرون كانت ثمة شخصية نمطية (على مستوى الأسرة) ومميزة (مقارنة مع الغير) تكونت وترسخت مع مرور الزمن، وعادة ما ظل يورثها السلف للخلف جيلاً بعد آخر ليحمل كل فرد فيهم شخصية الأسرة، ثم تأتي بعدها المميزات الشخصية امتدادا لها، وهي أشبه بمحصلة تراكمية لعطاء قرون، وخلاصة تاريخ عطر جعل بيت الحمدي دائماً ما تشعر بالمسؤولية فتتصرف كما لو أنها ” السوربون” أو أي أكاديمية شهيرة وظيفتها تخريج أنجب العلماء والقضاة كعهد الناس بها، وليس أسرة أو بيتاً فحسب، وبالتالي دائماً ما كان ذلك الشعور لدى الآباء ينعكس جلياً في الصرامة عند تربيتهم الأبناء وفي اكسابهم الشخصية التاريخية حفاظاً على اسم الأسرة أولاً والإضافة إليه ثانياً، حتى أن الأب غالباً ما يكون هو المعلم الأول لأبنائه، وعلى يديه يتعلمون في أول مراحل تكوين الشخصية، وعلى أيدي آبائهم يدرسون اللغة والقرآن والحساب، ومنه نجد تلك النمطية بصورتها أو بخطوطها العامة انتقلت وصولاً إلى أنجال القاضي محمد صالح الحمدي وفي المقدمة منهم (القائدين) عبدالله وإبراهيم الحمدي.

قطنت أسرة آل مُسَلَّم- جد والد الرئيس الحمدي- بعدها كل من “حَمْدَة” و”ذِيْ بَيْن”، وكلاهما تتبعا محافظة عمران (حاليا)ً، وتقع “ذِي ْبَيْن” نحو مائة كيلومتر شمال غرب العاصمة صنعاء، وفيها أقام العالم الفقيه صالح مسلم الحمدي (جد الرئيس الحمدي)، وهناك رُزِقَ بولده محمد (والد الرئيس الحمدي) في ليلة مباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1306 هجرية/ 1889م، وكان مولده في ذلك التوقيت المبارك يثير هاجس ما لدى والده بأن قدوم طفله في ليلة هي خير من ألف شهر لابد وأنها تعني شيئاً عظيماً ..
وفي “ذِيْ بَيْن” نشأ الصبي (والد إبراهيم) وتربَّى في كنف أبيه، وعلى يدي والده الفقيه درس القرآن الكريم واللغة إلى جوار شقيقيه علي (صار قاضياً) وعبدالخالق، غير أن نبوغه المشهود وذكاؤه الفذ على مستوى أسرته جعله يصبح مدرساً منذ سن مبكرة، لكن شغف الفتى الفطري للعلم وولعه إلى المعرفة والاستزادة دفعاه إلى مغادرة “ذِيْ بَيْن” مدشناً مشواره العلمي الشاق الذي أوصله في نهاية المطاف إلى منصة القضاء وإلى تقلد المناصب الرفيعة، وعادةًً ما كانت رحلة كهذه تستهلك ما يزيد على عشرة أعوام يقضيها طالب العلم بصحبة العلماء المعتمدين والتتلمذ على أيديهم بحسب ظروف ذلك الزمان ..
البداية كانت من ” حَمْدَة ” مسقط رأس والده ومسكن أجداده الأوائل، حيث لازم فيها الشيخ مظفر الحمدي لفترة ما لكنها لم تشبع نهمه، فغادرها مهاجراً إلى الله ورسوله في طلب العلم سيراً على الأقدام إلى مدينة شهارة -بلاد الأهنوم في لواء حجة-، وهناك تلقى فيضاً من المعارف والعلوم على يد أشهر علمائها -الشيخ المجتهد القاضي عبدالله الشماحي- والذي تعلَّق الفتى به حتى أنَّه لم يفارقه طمعاً في الاستزادة منه حتى وافاه الأجل، حينها فقط غادر شهارة وهو يُكِنُّ ويعلن عن عظيم العرفان والإجلال له ما بقي له من عمر، وقد كان له في شهارة زملاء ممن سطع نجمهم لاحقاً، منهم السيد عبدالملك المتوكل الذي صار نائباً للإمام يحيى في “لواء حجة” ..

وقتها لم يكن ثمة بدائل أفضل أمام الشاب الطموح غير الانتقال إلى مدينة صنعاء التي كانت أشهر مدائن العلوم بين حواضر اليمن-، وفي مدينة ” سام” كانت أحد المنازل التابعة لجامع الخراز محلاً لإقامته، وقد مكَّنه قرب السكن من حضور كل حلقات الدرس المقامة في المسجد إياه، وبعزيمة وإصرار لم يتوقف الشاب حتى أنهى دراسته (الاكاديمية)، ليحصل بعدها على “الإجازة” في القضاء من الإمام يحيى، منتقلاً بذلك من رحاب العلم والتلقي إلى أروقة العمل والعطاء، وكان من زملائه في صنعاء السيد عبدالله الوزير المولود في 1301 هجرية، والذي أصبح نائباً للإمام يحيى في الحديدة قبل أن يتزعم الانقلاب عليه، ويعلن نفسه إماماً في فبراير 1948م وهي التي انتهت باعدامه من قبل ولي العهد أحمد بن يحيى وتقويض ” الحركة الدستورية “.

عرف القاضي محمد صالح الحمدي بالتقى والورع كما اشتهر بعدالة أحكامه ودقتها، فكان ممن جعل القضاء سلطاناً على السلطان، وقد بلغت جرأته مبلغاً حصد من خلاله إحترام المحكومين والحكام سواء بسواء، وعلى الأقل لدينا ثمة وقائع شهيرة نوردها على سبيل المثال لا الحصر، فقد حدث مرة أن غرق الأمير سيف الإسلام محمد -نجل الإمام يحيى ونائبه في الحديدة- في الكثيب وهو يحاول إنقاذ صديقه البهكلي (1934م)، فعين الإمام نجله الآخر الأمير سيف الإسلام عبدالله بديلاً له، وكان بذمة الأمير المتوفي مديونية كبيرة لتجار الحديدة ومنهم الشيخ علي محمد الجبلي، وترتب على موته مخاطر ضياع أموال التجار لعدم استجابة الخلف لمطالبهم، وكان عمل القاضي حينها في مدينة الحديدة، فتقدم التجار إليه بدعواهم، فلم يتردد في إصدار حكم يلزم الإمام يحيى بموجبه دفع مبلغ سبعين ألف ريال للشاكين، وقد قبل الإمام الحكم ونفذه.
كما أصدر القاضي نفسه حكماً آخر ضد الإمام يحيى لمصلحة مواطن من آنس، وتم تنفيذ الحكم أيضاً..
أما أكثر أحكامه جرأة فكان ضد الإمام أحمد، ومن المعلوم أن الأخير تولى السلطة خلفاً لوالده بمجرد تمكنه من إخماد “حركة 48” حيث تم وقتها اختيار القاضي محمد الحمدي لإجراء قسمة تركة الإمام يحيى بين ورثته، واختيار رجلنا دون غيره لمهمة الفصل بين أفراد الأسرة الحاكمة نفسها لهو دليل قاطع وحاسم على مدى التفوق المهني والأخلاقي ومقدار تميزه عن بقية مجايليه، وحدث أن ادعى السيد محمد بن علي زبارة -وكيل الإمام أحمد في المقاسمة- أن موكلَه شريكٌ لوالده في الكسب، كما طالب بحق موكله بالــ “كُبَّارِة” (أي نصيب أكبر من حقه الشرعي كوريث، وهي عادة كانت معروفة في اليمن حينها، حيث يتم من خلالها التحايل على الورثة لمصلحة عاقل أو كبير الأسرة)، غير أن القاضي رفض الدعوى، وحكم بعدم أحقية المدعي -الإمام أحمد- فيما زعمه وكيله من حق بالشراكة في الكسب أو بالكبارة، وتمت القسمة وفقاً للانصبة الشرعية فعلاً، وقد سطر الإمام أحمد يومها بخط يده وتوقيعه وختمه امتثاله وقبوله الحكم في وثيقة حررها بتاريخ 1950 م وسلمها للقاضي الحمدي، وتحتفظ أسرة القاضي بالوثيقة ضمن إرشيفها.
تقلَّد القاضي محمد صالح الحمدي العديد من المناصب الرفيعة -في سلك القضاء -بدرجة رئيسية- في عشر مناطق ومدن يمنية، وظل يزاول الوظيفة العامة من بداية الحقبة المتوكلية إلى نهايتها، وإن كان نجله إبراهيم من غدا يزاولها فعلياً بالنيابة في آخر المطاف، إلا أن الوالد كان هو الحاكم القضائي على مدينة ذمار رسمياً حتى يوم اندلاع ثورة سبتمبر التي سلبته وظيفته، كما نزعت العمامة عن رأس ولده إبراهيم، غير أن الأيام أثبتت أنها كانت تحتفظ للحمدي الصغير بوظيفة أهم، وظيفة لا تقل إنشاً واحداً عن درجة رئيس جمهورية ..


في الجمعة 05 أكتوبر-تشرين الأول 2018 06:20:24 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=3508