في رحاب عبدالقوي الأقوى والأشرف
محمود شرف الدين
محمود شرف الدين


عبدالقوي شرف لم يكن مجرد اسم نقرأ خبر نعيه في المنتديات، فينتهي الأمر بالترحم عليه، بل خطب جلل طويل المدى بأوجاعه وآلامه، وقعه علينا كصاعقة مربكة مزلزلة تفقدك التوازن والإدراك، فتسعى إلى أن تستدعي رؤية ملامح صورة مرفقة تحاول من خلالها عبثاً أن تدعم محاولة تشكيك ذاتي برحيل اسم محفور في ذاكرة مقربين خلصاء، ومن هو أقرب من حبل الوريد، لتهرب من حقيقة رحيل موجع مؤلم، متشبثاً بأفكار خرافية هي كل ما يعترينا من هول المشهد في تلك اللحظة ونحن نتفحص منشورات نعيك أخي عبدالقوي شرف الفضلي. فمن انت؟ ومن تكون ؟ انت شخصية ناصرية مناضلة وسليل اسرة كريمة لها باع طويل في التضحية والنضال.
الحقيقة حتى هذه اللحظة لم أصدق أنني فقدتك أيها الحبيب والرفيق والخل الصدوق، رغم أني رأيتك مسجى في زاوية المسجد، وأمام المصلين، تحفك ملائكة الله ودعوات خلقه الذين شاركوني تشييعك ومواراتك التراب.
عبدالقوي شرف، كنت فينا الأقوى والأشرف، أقول ذلك خلاصة عقود وأعوام قضيناها معاً، شكلت محطات ومراحل عديدة، وقفنا عندها معاً، سعدنا وضحكنا وتعبنا وعانينا،عملنا واجتهدنا معاً فأنجزنا وأخفقنا ، صعب أن تزول ملامحك ومواقفك الصلبة من الذاكرة رغم تعرضها لزلزال عنيف خلفه نبأ رحيلك إلى عالم الحقيقة، حيث السعادة الأبدية، وإني لعلى يقين أنها ليست سوى نهاية معاناة بالنسبة لك، فأنت في جوار رب رحيم غفور وعد عباده بعفو ورحمة لا حدود لهما في عالمه الأبدي، فهو الذي غمرنا بنعم ظاهرة وباطنة، ومتعنا بالصحة والعافية، وأمدنا بالقوة ونحن أحياء نجري ونلهث وراء متع فانية، ولا نسلم من ارتكاب المعاصي، ومع ذلك فقد كان رحيماً بنا، ونحن بكامل قوانا، فكيف سيكون عفوه ورحمته بنا إذا صرنا بلا حيلة ولا قوة، مسلوبي الإرادة أمام سعة رحمته وغفرانه.
وما ارى الا ان الله قد أذن لك بالسعادة والراحة الأبدية من مشاغل الحياة وعنائها، فاختارك راضياً مرضياً إلى جواره مع عباده وفي جنته.
سأظل أعيش الأسى والحزن بعدك طويلاً، وأعاني الفشل في إقناع أحاسيس ووجدان ومشاعر بأنها لن تراك وتحس بروحك الجميلة وبهائك الفواح المنتشر في أرجاء هذا العالم الذي كنت لنا فيه أخاً تحلو معه الحياة التي لم يعد فيها شيء يستدعي السرور والبهجة، مآسٍ بعضها فوق بعض، تتكالب على قلوب موجوعة بموت أخ أو صديق أو قريب أو رفيق، ذلك ما تبقى لنا في هذا العالم، ننام ونصحو عليه، ولن تكون فيها الأخير، لكن رحيلك كان لنا أكثر جرحاً وألماً.
من أسبوع لآخر أتلقى منك رسالة أو مكالمة تخبرني فيها بوفاة أو إصابة أو فرح لرفيق أو صديق، كما هي عادتك في الحشد للمناسبات، وطلب الوقوف إلى جانب إخوة لنا فيها داعمين أو معزين أو مشاركين في سرور عامر لهم، لكنني فوجئت بنبأ رحيلك أنت أيها الأخ والصديق الحبيب.
ما عرفتك إلا مناضلاً باذلاً مجتهداً حريصاً على الوقوف ومساعدة وتقديم الخير للجميع، إيجابياً تتمتع بجدية وإحساس بالمسؤولية في التعامل مع كل المهام التي تسند إليك تنظيمياً ووظيفياً وإنسانياً، بما فيها مهام بم تكلف بها ، وترى أنها من الضرورة بمكان، فتأبى إلا أن تبادر إلى إنجازها، وإنها لكثيرة يحفل بها تاريخ عطائك ودورك الفاعل الطوعي وواجبك النضالي الوطني.
كنت شفافاً واضحاً صادقاً وطيب القلب لا تحمل في قلبك ذرة حقد أو خصومة، صبوراً متحملاً حليماً مثابراً، تعمل بإخلاص وتفانٍ في سبيل أهداف عظيمة دون اكتراث بالمثبطين والمشككين.
نفتقدك اليوم ومعنا الآلاف من الإخوة والأصدقاء والزملاء والأسر الكثيرة التي تبكيك دماً وحزناً، دون أدنى مبالغة في ذلك، فأنت لم تكن تعيش لنفسك ولأسرتك، بل لكل من حولك في مجتمع قمت بواجبه خير قيام، فكنت صاحب مبادرة وصاحب واجب حقق إنجازات وأفعالاً إنسانية عظيمة. ويكفي أنك صاحب "مبادرة الوحدوي" الإنسانية السنوية بخيرها الذي شمل الكثيرين في ظل الأوضاع الاقتصادية الأكثر قسوة، للعام الرابع على التوالي، والتي بشهادة الجميع حققت نجاحاً مشهوداً منذ أن كانت فكرة ثم حقيقة على الواقع بفضل جهودك وإخلاصك وصدق نيتك مع زملائك المشاركين في هذا العمل الخيِّر.
لقد كنت القوي بيننا كإنسان رائع مخلص يفضل التواري وعدم الظهور خلف إنجازاته رغم عظمتها واتساع أثرها تنظيمياً ومجتمعياً.
يؤسفني أن أقولها في موتك، وإن كنت قلتها في حياتك، خلاصة فترة ليست بالقصيرة كنا فيها رفاق درب ونضال في قيادة وإدارة المكتب التنفيذي لفرع التنظيم بأمانة العاصمة، وفي العمل الإعلامي والجماهيري والمجتمعي. وللأمانة لم ألحظ مرة أنك أخذت شيئاً ليس من حقك، أو استوليت على إنجازات غيرك، بل بالعكس من ذلك أفعال كثيرة لك نُسبت لغيرك أو سطا عليها نفعيون وأصحاب مصالح، لكن لم تعر ذلك أي اهتمام، فأنت أكبر من ذلك؛ قائد حريص على توحيد الصف وتكاتف الجهود ولم الشمل وإصلاح ذات البين، فأنت عبدالقوي المعروف بتجرده من الأنانية والمناطقية والشللية وغيرها من المسميات السخيفة، وما أضمرت شراً أو وقيعة لأحد مهما كان اختلافك معه، وما وجدتك يوماً تلهث بعد منصب أو مكسب مهما كان حجمه، خالياً من رغبات الظهور أو التصدر أو التباهي بأي نجاح مهما كانت عظمته وجدواه.
أعلى موقع تنظيمي وصلت إليه، كان أميناً مساعداً للفرع أو مسؤولاً تنظيمياً، لكننا جميعاً نراك الأول تفاعلاً ونشاطاً ومسؤولية، واسع الأفق، راقي التفكير، شامخ الطموح، عفيف اليد واللسان، وذاك شأن العظماء والرواد الأكثر تأثيراً في مجتمعاتهم، يعملون الخير، ويرمون به في البحر، وكما قال الله تعالى: "لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً".
لا تنوء بحمل المهام العظام، ولا تشتكي عجزاً في اللوازم والإمكانيات، فيكفيك منها اليسير لتنجز في وقت وجيز بجدية ومصداقية، كنت تعاف الإسقاط على الآخرين، أو التقليل من إنجازاتهم وقدراتهم، وتلك صفات نادرة قلما نجدها مجتمعة لدى الكثير من الإخوة ورفاق النضال أو العمل المجتمعي. 
بل إنني أتذكر ملامحك وأنت تشتاط غضباً كلما رأيت فساداً أو عبثا أو إهمالاً هنا أو هناك، أتذكر كثيراً من المراحل والمواقف لفترة طويلة كنت فيها أكثر تواجداً وتواصلاً معك، وما أتذكر أن هناك خصومة نشأت بيننا، أو وقف أحدنا على النقيض من الآخرفي قضية او موقف ما، رغم أن ذلك أمر طبيعي الحدوث، بل كنت كثيراً ما ألجأ إليك لحل مواقف وإشكالات تتعلق بعمل في الصحيفة أو المنظمة أو حتى الخاصة منها، وما وجدتك إلا مصلحاً ومخلصاً وموفقا في إصلاح ذات البين.
أخي وصديقي، كم أنا نادم على انقطاع قسري عنك في ظروف كانت بالنسبة لك بالغة الصعوبة أثناء وفاة فلذة كبدك صهيب، وحين مرضك وسفرك. لقد رحلت وفي رقابنا كثير من الدين لك كإخوة وأصدقاء ورفاق درب ونضال مشترك، رغم أننا كنا على إدراك كامل بأنك كنت في محيطنا خارج أي مكاسب أو مغانم، وفي صدارة مهام ومسؤوليات كبيرة ينأى عنها أكثرنا.
نعترف الآن بذنبنا وتقصيرنا في حقك، ونتساءل بحرقة وحسرة عما إذا كان بإمكاننا تلافي ذلك التقصير بعد رحيلك؟!
والحقيقة أننا كتنظيم وكرفاق وإخوة وكدولة، ندين لك بالكثير، ويجب علينا أن نرد لك الجميل في أهلك وبنيك بأن نكون لهم عوناً وسنداً من أجل عيش كريم وتعليم مفيد يرقى بهم إلى مستوى كبير من المعرفة والنضوج العلمي والتمكن الوظيفي، بما يمكنهم من مواصلة حمل رسالتك، وإنها لرسالة أوجهها للجميع من خلال هذه السطور الحزينة، بواجبنا تجاه أخ فاضل غادرنا ينبغي ألا ننسى أبناءه وكل من تركهم خلفه، فقد كان لنا دليلاً للخير، وحلقة وصل وتواصل بين الجميع، وداعي خير يقف مع كل ذي حاجة أو فاقة أو مرض، يتفقد من غاب، ويواسي من فقد عزيزاً عليه، ويعين كل محتاج...
أسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حياته، وأن يرحمه ويتغشاه بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته . 
                                  ______________
رئيس تحرير صحيفة الوحدوي وموقع الوحدوي نت


في الأربعاء 09 سبتمبر-أيلول 2020 11:32:01 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=3677