انفلونزا الحرية
محمد كريشان
محمد كريشان

مرت علينا تجربتان ونتابع حاليا تجربتين أخريين. جرى ما جرى من ثورتين في تونس ومصر أسقطتا بن علي ومبارك ويجري الآن ما يجري في ليبيا واليمن. لا بن علي اتعظ بدروس التاريخ ولا مبارك اتعظ بما حدث لبن علي ولا القذافي اتعظ بشيء ولا عبد الله صالح يبدو إلى حد الآن متعظا بهم جميعا!

وإذا كانت ثورتا تونس ومصر قد آلتا إلى ما آلتا إليه وما زالت توابعهما تتفاعل إلى الآن في ما يشبه المخاض العسير لولادة بلدين جديدين- رغم كل الصعوبات وعناد قوى الردة - فإن ما يجري هذه الأيام في كل من ليبيا واليمن جدير بتسليط أقصى ما يمكن من الأضواء ضمانا لاستفادة قصوى من تجارب التحرر العربية الحالية بعد ليل استبداد طويل.

عاند بن علي لكن لما وصلنا إلى عناد مبارك ترحم البعض على الأول، فلما جاء دور القذافي وكسر كل قواعد بطش الحاكم بشعبه ترحمنا على الاثنين، ولا نتمنى أن تصل الأمور بعبد الله صالح إلى أن يخضع لمقارنات مع الثلاثة. لقد صرح الرئيس اليمني بأن ما جرى مؤخرا في عدد من الدول العربية عبارة عن انفلونزا تنتقل من بلد إلى آخر، وهي فعلا كذلك. وطالما أن صالح تحدث عن انفلونزا فلا بد من الحديث معه عن إجراءات الوقاية منها وعن التطعيم اللازم لتجنبها.

القذافي فضل بجنون رهيب أن يبقر بطن المصاب بالحمى عوض أن يرى كيف يمكن معالجته، لكن صالح ليس مدعوا بالمرة لخوض تجربة مشينة كهذه. هو نفسه صرح قبل أسابيع قليلة بأنه لا يعتزم لا التمديد ولا التوريث فقد قرر عدم الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2013 أو تعديل الدستور لجعل المدد الرئاسية بلا سقف، كما أنه لن يورث ابنه السلطة مثلما حامت حول ذلك الشبهات. أيضا قام بتأجيل الانتخابات التي قررها في نيسان (أبريل) دون موافقة المعارضة. أكثر من ذلك قال إنه سيقول 'لبيك للتنازلات' في سعي منه لتجنب البلاد الدخول في ويلات مواجهة اضطرابات لا تبدو لها نهاية قريبة.

في الآونة الأخيرة بدا الرئيس اليمني وكأنه يعود تدريجيا من جديد إلى منطق المكابرة بالحديث عن أن مطالب المعارضة لا تنتهي وسقفها يزداد ارتفاعا وبأنه لن يترك منصبه إلا عبر صناديق الاقتراع. الرئيس صالح مصيب في الأمرين ولكن مع ملاحظات لا بد منها: فعلا المعارضة تزداد تصعيدا في مطالبها غير أن هذا طبيعي للغاية مع استمرار الاحتجاجات والقمع الذي تواجه به. أما فيما يخص الاستعداد لمغادرة الرئاسة عن طريق الانتخابات وليس أي شيء آخر فأمر معقول مبدئيا ولكن ما الذي يضمن أن الأمور يمكن أن تخضع للسيطرة حتى عام 2013؟!

عندما وعد بن علي بأنه لن يترشح في 2014 لم يصدقه أحد ولم يمهله شعبه، أما مبارك فلم يطق الناس عليه صبرا لبضعة أشهر أخرى فما الذي يجعل صالح يجرب نفس التكتيك الفاشل؟! لماذا لا يبادر، طالما أن المبادرة ما تزال في يده إلى حد الآن، بالتبكير في هذه الانتخابات، التي لن يترشح لها، فيخرج بذلك بالطريقة التي أرادها وفي التوقيت المناسب قبل فوات الأوان؟

التقيت بالرئيس اليمني أكثر من مرة وأحيانا في جلسات اجتماعية خاصة والرجل للأمانة يتمتع بعفوية جميلة ونخوة أصيلة. بإمكانه، إذا ما صدقت النوايا، أن يضمن لنفسه خروجا غير مذل. بإمكانه أن يضع حدا لاثنين وثلاثين عاما من حكم وصفه هو نفسه بالمغرم لا المغنم. بإمكانه هو وحده أن يأخذ التطعيم اللازم لهذه الأنفلونزا وإلا فلا حائل دون ارتفاع الحمى التي قد تدفع صاحبها وقتها لتصرفات غير محسوبة.

القدس العربي


في الأربعاء 23 فبراير-شباط 2011 11:33:30 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=428