ثورة الشعب اليمني
فائز عبده
فائز عبده
اليمن ليست تونس، وليست مصر. هذا صحيح. وهي تختلف من حيث أوضاعها الاقتصادية وتركيبتها الاجتماعية، عن شقيقتيها. تلك حقيقةٌ ملموسةٌ ومعاشة. غير أن الوضع الذي تعيشه اليمن منذ سنوات، بات أدعى للانتفاض على الأوضاع التي تستمر في التدهور، والثورة على النظام القائم على المحسوبية والفساد.
إن لكل دولةٍ أو بلدٍ خصوصيته، وظروفه المختلفة -قليلاً أو كثيراً- عن غيره من البلدان. لكن للثورة أسباباً تتباين أو تتطابق في تفصيلاتها من بلدٍ إلى آخر. وعلى كل حالٍ، يأتي الشأن الاقتصادي والحقوق الاجتماعية في صدارة الأسباب التي تدفع الشعوب لأن تحتج على الأوضاع السيئة، وتثور في وجه الحكومات الاستبدادية.
في اليمن؛ المؤشرات الاقتصادية والتنموية من التدني بحيث يقبع هذا البلد في دركٍ أسفل مقارنةً بكلٍّ من تونس ومصر، فمعدلات الفقر والبطالة والأمية عالية، بينما تنخفض نسب الحصول على الخدمات: تعليم وصحة ومياه شرب نظيفة وتغطية كهربية وطرقات، وغيرها من الخدمات الأساسية، وهناك قصورٌ في توفير فرص العمل، وتوظيف الخريجين، وتتضاءل إمكانية التمتع بالحقوق الاقتصادية والمدنية، والمشاركة السياسية والحريات العامة.
وزيادةً على ذلك، تقوم بنية النظام الراهن على أساس الفساد والمحسوبية والولاءات الضيقة، ويعتمد على تحالف النفوذ والمصالح الشخصية لأركان السلطة وبعض الشلل الدائرة في فلك العائلة التي تستحوذ على أعلى المناصب العسكرية والأمنية، وتتفضل بمنح المواقع المدنية المهمة لأفراد منضوين في ذاك التحالف النفعي، حسب اعتباراتٍ ترتبط بمدى الولاء ومقدار الفائدة.
وتكشف تقارير عديدةٌ قيام كبار القادة العسكريين والأمنيين والمسؤولين الحكوميين بالسطو والاستيلاء على أراضٍ شاسعةٍ في الحديدة ومحافظات جنوبية تحديداً، ومن ثم بيعها أو الاستثمار فيها. فضلاً عن الدخول في شراكات إجبارية مع مستثمرين محليين وأجانب، تحت مسمى "الحماية". ناهيك عن إقدام بعضهم على سلب حقوق مواطنين مستضعفين، مستغلين في ذلك سلطتهم أو نفوذهم، وبمساعدةٍ أو تواطؤ من الجهات التي تملك قوة الدولة المفترض بها حماية المواطن! ويتم ذلك دون ردعٍ أو محاسبةٍ، لأن الأجهزة الأمنية والضبطية أضعف من أن تقوم بدورها، أو مكبلةٌ بفساد مسؤوليها، ولأن السلطة القضائية تفتقر إلى الاستقلالية والنزاهة.
وتتعدد صور الفساد المالي والإداري، المتفشي في غالبية المرافق والمؤسسات الحكومية؛ المركزية منها والمحلية، ويخسر الشعب اليمني بسببه أموالاً طائلة؛ نهباً وهدراً وعبثاً بالمال العام، وصرفاً في غير محل، ولمن لا يستحق، ومن دون وجه.
ومن صور الفساد، عدم خضوع الوظيفة العامة لمعايير الاستحقاق والكفاءة، بل تحكمها اعتبارات مناطقية وولائية، ويتم منحها للأقارب والمحاسيب أحياناً، وتوريثها للأبناء في أحيان أخرى. ويشمل ذلك كل المستويات؛ من الوظائف الدنيا، إلى أعلى المواقع القيادية. وهناك أمثلةٌ صارخة لفساد الوظيفة العامة؛ حيث نجد أبناء حديثي التخرج لكبار المسؤولين، يتولون وظائف قياديةً وسطيةً، بينما ينضم إلى رصيف البطالة آلاف الخريجين سنوياً، ويظل كثيرون أعواماً دون الحصول على وظيفةٍ حكوميةٍ كحقًّ أساسيٍّ مكفولٍ دستورياً لكل مواطن. كما نجد نواباً خلفوا آباءهم في الجلوس على مقاعد البرلمان. ولعل الجميع يعلم القائمة الطويلة التي تضم أبناء الرئيس وإخوانه وأبناء إخوانه وأصهاره وأقاربهم وأبناء منطقته، المتربعين على مناصب أمنيةٍ وعسكرية ومدنية عليا، أو في مواقع مهمة. علاوةً على أن كثيراً من المسؤولين والنافذين مقربون من كبار مكونات تلك القائمة، أو محسوبون عليهم. ما سبق ليس إلا ما هو متداولٌ ومعلومٌ للعامة. أما ما خفي من شبكاتٍ وتفرعاتٍ هنا وهناك، فسيظل في عهدة الأيام التي ستكون كفيلةً بكشفه في القادم القريب منها.
على أن صور الفساد الذي يبدو صاحب السيادة في هذا البلد، لا تنتهي. ماذا عن الرشوة وآثارها السلبية؟ وكم هناك من المشاريع المتعثرة أو الفاشلة بسبب تلاعب وفساد القائمين عليها؟ وما مدى تغطية الخدمات العامة للمناطق، وبالذات في الأرياف؟ وما مستوى الخدمة المقدمة وكفايتها بالنسبة للمستهدفين؟ سيكون الحديث عن كل هذا تكراراً لا حاجة إليه، طالما أننا نلاحظ اتساعاً لضحايا هذا الفساد المتغلغل في أوصال الدولة والمجتمع، وامتداد آثاره ومخاطره إلى جسد الإنسان اليمني وروحه، وطالما حُرم المواطن المغلوب على أمره من أبسط الخدمات الأساسية المتعلقة بمعيشته وحياته.
هذا المواطن المحروم من الخدمات التي يفترض أن تقدمها له الدولة كواجبٍ عليها مقابل ما يدفعه لخزينتها من ضرائب وزكاةٍ وجباياتٍ متعددةٍ، لا يتمتع بحقوقه المكفولة دستورياً وقانونياً. ولئن كان يجهل، لأسبابٍ عدة، بعضاً من تلك الحقوق، فإنه يجد نفسه لا يستطيع ممارستها، أو لا يملك الوسائل التي تمكنه من ذلك. وفي مقدمة الحقوق المسلوبة من الشعب اليمني، حق المواطنة المتساوية، والحديث في هذه الجزئية يطول، لكن لا ضير في الاكتفاء بالإشارة إلى غياب هذا الحق، باعتباره معلوماً لكثيرين، ولكونهم يدركون أشكال التمييز الحاصل بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
والمشاركة السياسية كحقٍّ أساسي، لا يتمكن عديد مواطنين من ممارسته بسبب كثيرٍ من المعوقات التي يلعب النظام دوراً كبيراً في تكريسها لمنع فئاتٍ من المجتمع ومناطق بعينها من إعلان صوتها والإفصاح عن مواقفها ورؤاها، وتزوير إرادة آخرين، وإجبارهم على تسجيل آراء لا تنتمي إليهم، وتبني مواقف الحزب الحاكم ونافذين.
وفي ما يتعلق بالحريات السياسية والعامة، لا يتسع المجال هنا للحديث عن ضيق النظام الحاكم بالهامش المحدود، والذي يسعى دوماً إلى تقليص مساحته، وقمع كل من يجاهر برأيٍ مخالفٍ في أية وسيلةٍ؛ قولاً أو كتابةً أو إبداعاً.
تغيب في ظل النظام الراهن كثيرٌ من الحقوق والحريات الأساسية المكفولة في الدستور والقوانين المحلية، وفي الاتفاقيات والإعلانات العالمية، رغم الادعاء الباطل بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. وتحضر الصراعات والأزمات السياسية والاقتصادية، تصل ذروتها في الحروب الطاحنة في غير مكان، والتعامل الأمني مع الاحتجاجات السلمية للمواطنين المسالمين، في حين يتم التعامل بأساليب المراضاة، والرضوخ والإذعان لمطالب بعض المناطق (والأفراد) التي تبرز قوة السلاح أو النفوذ في وجه الدولة!
أوليست هذه وغيرها أسباباً تسوغ للشعب اليمني الانتفاضة على ما يعيشه من حالةٍ اقتصادية مزريةٍ، وتدفعه للثورة ضد نظام الفساد والقمع والاستبداد والأزمات والحروب؟
بلى، إنها والله لقمينة بأن تشعل ثورةً في وجه كل هذا الجور والباطل. ثورة ستنتصر بإرادة الشعب العظيم؛ ذلك أن إرادة الشعوب من إرادة الله، وإرادة الله لا تقهر، كما قال يوماً الزعيم الخالد جمال عبدالناصر.

faizabdo@gmail.com




في الثلاثاء 15 مارس - آذار 2011 10:24:57 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=444