اليمن بلا صالح ... شعب يخطف أنظار العالم
أشرف الريفي
أشرف الريفي

بعيداً عن التشائم فإن انتقال السلطة للنائب عبد ربه منصور هادي أمر ليس بالسوء المحض، وأن إنهاء عهد علي عبد الله صالح صار اليوم واقعاً ملموساً بعد أن استطاعت تضحيات ودماء شباب الثورة إسقاط الفرعون.

ربما أن ما يعتمل على الساحة اليوم لا يلبي طموحات اليمنيين لكنها خطوة هامة لحلحلة تركة ثقيلة ونزع ألغام متعددة تهدد البلد بأكمله.

تنفس اليمن الصعداء وصار العالم ينظر لليمنيين وثورتهم بإعجاب ودهشة منقطع النظير، خلال تسعة أشهر من الثورة تغيرت صورة اليمن لدى العالم فلم يعد اليمني ذلك الإرهابي المتخلف أو الإنساني البعيد عن تطورات العصر ومعارفه، بل برز الشعب اليمني من خلال ثورته المدهشة شعباً راقياً وحضارياً نبذ ثقافة العنف والسلاح وسطر سمفونية مذهلة في العمل السلمي.

قد يذهل كل من يغادر اليمن إلى الخارج اليوم وهو يلمس نظرة الإعجاب والدهشة بالثورة اليمنية التي قدمت الوجه الحقيقي والحضاري لليمن.

خلال شهور الثورة تصدر اليمنيون قوائم الإبداع والابتكار والتميز بدلاً من قوائم الإرهاب والملاحقين دولياً.

 ما لاشك فيه أن صالح قتل إبداعات اليمنيين، وهمش قدراتهم العلمية والإبداعية، والمؤكد أن رحيل صالح سيفتح آفاقاً واسعة لإبداعات اليمنيين وابتكاراتهم في مختلف الفنون.

لم تمن اليمن بكارثة كعلي عبد الله صالح ونظامه الذي قزم اليمن وأبناءه، وأهان أبناءه العظام في الداخل والخارج.

صورة اليمن اليوم مختلفة تماماً، فهي أكثر إشراقا وجمالا.. الجميع يعرف اليمن الذي وصل إلى العالمية عبر بوابة الثورة التي حصدت جائزة نوبل للسلام عبر الصحافية والحقوقية توكل كرمان، العالم يعرف اليمن الذي حصد ابنه الصحفي خالد الحمادي في سبتمبر الفائت الجائزة الدولية لحرية الصحافة في مدينة تورنتو الكندية.

خلال شهور الثورة تألق يمنيون عديدون، ففي أكتوبر المنصرم فاز الباحث إبراهيم صالح بن قفلة التميمي بجائزة مسابقة الجزيرة للباحثين الشباب، بعد نيله المركز الأول على الشباب العرب.

قبل أيام قلائل فازت رئيسة بيت الموروث الشعبي أروى عثمان بجائزة عالمية مقدمة من مؤسسة المينيرفا (انّا ماريا ماموليتي الإيطالية المخصصة للمعرفة العلمية للنساء) في كابيتوليني، على خلفية نشاطها الثقافي، وحماية التراث ودفاعاً عن حقوق المرأة في اليمن.

مطلع العام حصد المهندسين هاني محمد باجعالة وفهد عبدالله باعشن, ثلاث ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية في معرض وارسو الدولي الخامس للاختراعات بجمهورية بولندا، ومطلع الأسبوع حصد الفنان الشاب نجيب المقبلي المركز الأول لنجم الخليج في دبي.

هذه الومضات المشرقة في جبين اليمن، تبشر بواقع أكثر تطورا وإبداعا، وبعهد جديد تتضح به حضارة هذا الشعب العظيم ورقيه.

محارق جماعية ارتكبها نظام صالح بحق العقل اليمني، والطاقات المبدعة، فكم من مبدع أو مخترع احتضنتهم شوارع وأرصفة البلد بعد أن فقدوا عقولهم أو أدخلهم نظام صالح بتهميشه وإقصائه ونكرانه لهم في حالات نفسية.

في عهد تحطيم اليمن بقيادة صالح تمت أكبر عمليات تهريب آثار اليمن، وتم العبث بالمواقع الأثرية وإهمالها، وفي عهده تمت أكبر عمليات استنزاف لثروة النفط وتقاسمها بين قوى النفوذ فيما الشعب يتضور جوعا.

نعم لم ينكب اليمن بشيء كما نكبته بصالح الذي لعب بالمكونات الاجتماعية للمجتمع ودمرها، وأحدث صراعات مجتمعية كبيرة، وخاض حرباً علنية ضد الثقافة والمثقفين، ومعارك ضارية لتدمير وإضعاف القوى الوطنية.

كل حروب صالح لم تكن من أجل تنمية وإزدهار اليمن بقدرما كانت من أجل إضعاف اليمن الأرض والإنسان.

نجح الرجل في تجهيل التعليم وتدمير مؤسساته، برع في تحويل مؤسسات البلد إلى مؤسسات عائلية وشخصية، لعب دورا كبيرا في تشظي المجتمع وخلق ثقافات العداء بين أبناء الوطن الواحد من أجل أن يبقى وأسرته حكاما لليمن، بل وملاكا له.

قالها مرارا ستتصوملون بعدي، وستتمزق اليمن إلى أكثر من دويلة، كان شعاره أنا أو دولة المتشددين "القاعدة" في الجنوب، أو دولة دينية ضيقة في أقصى الشمال، أو سلطنات في أكثر من منطقة يمنية.

لكن اليمنيين وجهوا له صفعة كبيرة بتوحدهم وتجاوزهم لكل تلك القنابل المفخخة وصرخوا بصوت عالٍ وقوي "الشعب يريد إسقاط النظام"، قالوها وهم يدركون أن هذا النظام هو من يلعب اليوم بالورقة المذهبية في أقصى الشمال، وهو من يغذي القاعديين في الجنوب، و يشجع القوى التقليدية على حساب القوى التقدمية والمدنية، ويوسع شرخ الوحدة الوطنية ويغذي دعوات الانفصال من أجل رفع رصيده لدى الداخل والخارج.

أتت الثورة لتكشف عورة هذا النظام، وأتى شباب اليمن ليسقطوا صور صالح ويدهسونها ويرفعون صور مؤسس الدولة المدنية الحديثة الشهيد إبراهيم الحمدي، أسقطوا صور القاتل ورفعوا صور المغدور به ومحبوب الجماهير، في صورة وفاء قلما نجدها في شعوب العالم.

كانت الصورة واضحة أن اليمنيين الحالمين بالدولة المدنية يؤكدون مناصرتهم لمشروع الحمدي المدني، ويحاكمون قتلته والنظام الذي أتى لاجتثاث كل مآثر فترة حكم الحمدي.

ما يجب التأكيد عليه أن صالح كحاكم لليمن انتهى وأن الرجل المنهار يعيش أسوأ أيام حياته، يحاول أن يملأ أناه المتضخمة بتصرفات صغيرة تظهره وكأنه لايزال الرجل الأول في البلد.

لم يقبل الرجل أن يؤدي وزراء حكومة الوفاق اليمين الدستورية أمام الرئيس المفوض لأول مرة، فعمد على استقبال الوزراء السابقين في تصرف يظهر الحالة النفسية التي يعيشها.

يريد أن يظهر الرجل الأول فيما أنفاس السلطة تسحب منه ويعيش سكرات الموت، لن نتحدث عن مستقبله وهو المطارد بمطالب المحاكمة كمجرم حرب ارتكب أبشع جرائم الحرب والقتل بحق أبناء شعبه، فمن أدمن المجازر بحق مواطنيه ليس بوسعه أن ينتظر خاتمة مرضية أبداً، فيد العدالة ستطاله حتماً.

على اليمنيين أن يتعاضدوا جميعاً لبناء يمن ما بعد صالح على أسس مدنية وقيم المواطنة المتساوية، وعلى الجميع أن يسد شروخ القوى المتخلفة وتأبط القوى غير المدنية.

أمام حكومة الوفاق مهمة تاريخية وصعبة تحتم عليهم تجاوز عقلية العمل ضد الآخر، والعمل لتأسيس مرحلة جديدة ليمن مدني جديد.

البعض يقلل من خطوة نقل صلاحيات صالح لنائبه حرصاً منه على تحقيق أهداف الثورة كاملة، لكن ما يجب التأكيد عليه أن رحيل صالح هو البوابة الرئيسية لتحقيق كل أهداف الثورة وإعادة اليمن إلى موقعها الحقيقي بين الأمم ، واستعادة الصورة المشرقة لليمنيين وحضارتهم ومكانتهم السامية.

 

***

ما يحدث في صعدة هو صراع مذهبي خطير يجب على الجميع استيعاب أبعاده ومخاطره وعدم إشعال نيران الفتنة, فالصراع المذهبي السياسي لا كاسب فيه سوى بقايا نظام صالح والمملكة السعودية، فعلى الجميع الترفع عن هذه المشاريع الضيقة والامتزاج في مشروع وطني شامل يسع الجميع.

علينا كيمنيين ألا نتحول إلى حطب لنار تحرق اليمنيين وتطلعاتهم ولا تخدم حقهم في العيش الكريم والحياة الهانئة.

يؤسفني أن يتخندق مثقفون وصحفيون وسياسيون وقوى سياسية مع طرفي الصراع فيما الدور المؤمول منهم تجاوز هذا النفس الضيق والتعامل بنفس وطني أكبر من مشاريعهم الضيقة.

البعض يرحب بهذا الصراع لاستخدامه جزء من سياسة حكم البلد مستقبلاً متناسيا أن من رفض حكم الاستبداد والقمع لن يرضى بتحويل الشعب إلى أعواد حطب لصراع مذهبي سيخمده وعي اليمنيين وحكمتهم.


في الإثنين 12 ديسمبر-كانون الأول 2011 01:30:24 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=651