طرف ثالث في الثورة المصرية
فائز عبده
فائز عبده
 

يقدم مسلسل "طرف ثالث"، صورةً مفعمةً بالحيوية، رغم مأساوية بعض تجليات وشواهد الواقع المعاش الذي يحكيه ويجسده بصدقٍ وحياديةٍ، ويغوص من خلال أحداثه الدرامية، في عمق الحياة الاجتماعية، المتفاعلة مع مجريات الفعل العام، والمنخرطة فيه. 

المسلسل الذي يخلو من البطل/النجم، ويعتمد على البطولة الشبابية، يسرد أحداثاً واقعيةً في الحياة العامة والخاصة للمجتمع المصري، ويتميز بجرأة المشاهد، وسلاسة الحوار، وخفة الحركة، إلى جانب عدم التركيز على شخص البطل. ويظهر فيه جلياً الانسجام التام بين الشخصيات، والتناغم بين الأحداث ومساراتها.

تتعدّد أوجه الصراع، ومستوياته وأطرافه، وبالتأكيد ضحاياه وتأثيراته السلبية: فهناك صراع النفوذ، بوجهيه السياسي والاجتماعي، وهناك العصابات الإرهابية المختلفة الهويات والأغراض، وتشخص الحرب الإعلامية بأنيابها متعددة الجنسيات. وهذا العمل الدرامي الجميل يتناول كل هذه الأشكال من الصراع، من خلال نماذج تمثلها، أو بالإشارة إلى مواقف أطرافها.

يحكي المسلسل قصة 3 شبانٍ كنماذجَ نوعيةٍ لشبابٍ باحثٍ عن الاستقرار، ويحافظ عليه إذ يجده، وشبابٍ باحثٍ عن المال، ويتخذ إليه سبلاً احتياليةً، وشبابٍ حالمٍ يصطدم بسوء نيات من يعمل معهم. هؤلاء الشبان، وهم يشكلون فريقاً متحداً مع ذاته، وكانوا يمارسون أعمالاً "بلطجيةً" قبل أن يقرروا سلوك طريقٍ نظيفةٍ، ويعيشوا حياةً شريفةً.. وجدوا أنفسهم وسط صراعٍ متعددٍ؛ هم أدواته من جهةٍ؛ حيث يتم استخدامهم في تصفية حساباتٍ، أو إنجاز مهماتٍ لصالح شخصٍ أو طرفٍ ما، أو القيام بعملياتٍ مشبوهةٍ. وهم طرفٌ فيه؛ في مسعاهم للفكاك من تورطهم في صراع الكبار في ما بينهم. بالإضافة إلى معركتهم الشخصية في التخلص من ماضيهم السيئ، وتجاوز وصمته، وفي مواجهة الواقع الذي يحاولون التحرّر من حالة الفقر والحرمان المتسم بها، وإثبات الذات التوّاقة للحرية والكرامة والاستقلال، بالتزامن مع التغيير الذي أحدثته الثورة في المجتمع المصري، من قاعه إلى رأس هرمه السياسي.

هذا فضلاً عن صراع المشاعر والأحلام والطموحات الشخصية، الذي يخوضه، كلٌّ على حدةٍ، أبطال هذا العمل الفني الرائع.

يتطرق العمل إلى أحداثٍ مهمةٍ ضمن ثورة 25 يناير، أبدع كاتب السيناريو هشام هلال، في توظيفها، بحياديةٍ، في خدمة تسلسل الأحداث وتكامل العمل الفني، مع التلميح إلى بعض المواقف، أو التعليق عليها، دون تحديد موقفٍ مباشرٍ (مع أو ضد) لجهة الثورة كحدثٍ، أو الأطراف والقوى السياسية الواقعة على ضفتيها. على أن المشاهد يستطيع أن يستشفّ اصطفاف هذه الدراما في الجانب المؤيد للثورة.

وتمكّن المخرج محمد بكير، من تقديم صورةٍ مليئةٍ بالحياة والجاذبية للوقائع، من خلال خفّة الحركة، وسرعة اللقطات وانتقال الكاميرا، وتناسق المشاهد الداخلية والخارجية، ما يخلق جوّاً من البهجة والحميمية، رغم القسوة التي تزخر بها الأحداث المتلاطمة أمواجها في بحر التجاذبات السياسية والاجتماعية، والتنافس المحموم بين مختلف الأقطاب التي تريد فرض رؤاها وأدوارها المتعارضة والمتقاطعة مع بعضها البعض. واستطاع المخرج، أيضاً، تجسيد رؤيته الفنية بعبقريةٍ فذةٍ أعطت للعمل قدرةً على استقطاب المشاهد، وتكوين مزاجٍ مُقبلٍ على متابعته.

ولعلّ أهمّ ما في هذا العمل الفني، هو إشارته إلى "الطرف الثالث" الذي لعب دوراً سلبياً وتحريضياً في أحداث الثورة المصرية، وتداعياتها الميدانية والسياسية، وحاول أن يحرف مسارها، واستطاع أن يصنع بعض المحطات الكارثية، ويؤجج بعض الصراعات التي طرأت على الوحدة الوطنية، وذلك من خلال أطرافٍ داخليةٍ حاولت الالتفاف على نتائج الثورة، أو التأثير على المزاج الجماهيري العام، أو من خلال "الإعلام الجديد" الذي مارس -من خارج الحدود- تضليلاً وتزييفاً لوقائع وحقائق الأحداث على الأرض. 


في الأحد 12 أغسطس-آب 2012 02:19:39 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alwahdawi.net/articles.php?id=912