تمكنت الحكومة الشرعية، بعد مسار قانوني ودبلوماسي معقّد استمر خمس سنوات، من استعادة واحدة من أثمن المجموعات الأثرية اليمنية المهربة إلى الخارج، يتصدرها تمثال ملك قتبان "شهر هلال"، إلى جانب 15 قطعة جنائزية وتماثيل حجرية ورخامية نادرة، تعود إلى الحقبة الممتدة بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي.
وقال مندوب اليمن لدى (اليونسكو) محمد جميح إن القطع المستعادة أصبحت ملكاً للدولة اليمنية، وأودعت في موقع آمن بباريس "بناءً على طلب رسمي، إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية وعودة المتاحف اليمنية لممارسة دورها".
وأوضح جميح أن هذه الخطوة جاءت ثمرة متابعات قانونية واجتماعات متكررة ضمّت مسؤولين يمنيين وخبراء آثار ومحامين مع نظرائهم الفرنسيين، مشيراً إلى أن وزير الثقافة والسفير اليمني في باريس رياض ياسين لعبا دوراً محورياً في تلك الجهود.
وأكد أن الوثائق والإثباتات المقدمة - وبينها بيان أصالة صادر عن عالمي الآثار سابينا أنتونيني وكريستيان جوليان روبن - أثبتت بشكل قاطع انتماء القطع للحضارات اليمنية القديمة، الأمر الذي أسفر عن اعتراف الجانب الفرنسي بالملكية اليمنية.
وبحسب الباحث اليمني المتخصص في تتبع الآثار عبدالله محسن، فإن هذه المجموعة جرى ضبطها بالصدفة في يناير 2020 أثناء تفتيش روتيني للشرطة الفرنسية في مستودع بضواحي باريس.
وأدى العثور على التمثال والقطع الجنائزية إلى إبلاغ مركز مكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية التابع لوزارة الداخلية الفرنسية، الذي تحقق من أصالتها قبل التواصل مع السفارة اليمنية.
وكشفت التحقيقات أن المقتنيات كانت ضمن مجموعة يملكها الفرنسي من أصول إيطالية "فرانسوا أنتونوفيتش"، الذي امتلك أكثر من مئة قطعة أثرية يمنية، بعضها عُرض سابقاً في متحف المعهد الشرقي للكتاب المقدس بمدينة ليون الإسبانية، قبل أن تنقل بشكل غامض إلى باريس.
التمثال المستعاد يجسد الملك "شهر هلال ذبيان يوهنعيم"، الذي يُعد وفق النقوش التاريخية آخر المكارب (الملوك الكهنة) وأول ملوك دولة قتبان.
وامتدت حدود المملكة التي انطلقت من وادي بيحان حتى البحر الأحمر غرباً والبحر العربي جنوباً، فيما خاضت صراعات مع حضرموت وسبأ ومعين.
وتبرز أهمية التمثال وبقية القطع كونها تعود إلى مدينة "تمنع"، عاصمة قتبان القديمة (هجر كحلان حالياً بمحافظة شبوة)، التي اشتهرت بازدهارها الاقتصادي ومكانتها على "طريق اللبان والبخور".
وبحسب تقرير الخبيرين أنتونيني وروبن (23 نوفمبر 2022)، فإن القطع تشمل:
شواهد جنائزية بوجوه بشرية من الحجر الجيري تعود لمقابر في الجوف (القرن الرابع–الثالث قبل الميلاد).
شواهد جنائزية برؤوس بقرية من وادي بيحان – تمنع (القرن الأول الميلادي).
تماثيل بشرية ورخامية واقفة من وادي بيحان (القرن الثاني قبل الميلاد – الأول الميلادي).
وأكد الباحث محسن أن هذه العملية مثلت نموذجاً ناجحاً للتعاون الفرنسي اليمني في مكافحة تهريب التراث الثقافي، مشيداً بدور الشرطة الفرنسية وجهات إنفاذ القانون في ضمان استعادة المجموعة.
واتسعت مؤخراً رقعة نهب وتهريب الآثار اليمنية منذ اندلاع الحرب عقب انقلاب الحوثيين عام 2014. فقد تحولت مواقع أثرية في شبوة ومأرب والجوف إلى أهداف للتجريف والتنقيب العشوائي، وسط غياب شبه تام للرقابة الأمنية.
وكشف مسؤولون محليون في وقت سابق أن لصوص الآثار استخدموا حتى الجرافات لاستخراج القطع والعملات الذهبية، بينما تتواصل عمليات التهريب عبر سماسرة محليين وشبكات دولية.
وكان المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) قد نشر عام 2018 "القائمة الحمراء الطارئة للممتلكات الثقافية اليمنية المهددة"، والتي تضمنت صور 46 قطعة أثرية معرّضة للاتجار غير المشروع.
وتتهم الحكومة الشرعية جماعة الحوثي بنهب وتدمير عدد من المواقع التاريخية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فضلاً عن تهريب قطع أثرية لتمويل أنشطتها.
ولم تصدر الجماعة تعليقاً مباشراً على تلك الاتهامات، فيما اكتفى القيادي الحوثي عبدالله الكبسي بالمطالبة عبر اليونسكو بـ"استعادة الآثار اليمنية المنهوبة والمعروضة في المزادات العالمية"، وفقًا ل "اندبندنت عربية".
ويرى مراقبون أن استعادة تمثال "شهر هلال" ورفاقه الـ15 تمثل خطوة مهمة في معركة اليمنيين لاستعادة هويتهم الحضارية، وسط انتشار عصابات التهريب وتورط بعض صالات المزادات العالمية.
كما أكدوا أن "المعركة لم تنته بعد"، مشيرين إلى وجود مئات القطع اليمنية المعروضة في مزادات أوروبية أو المخزنة ضمن مجموعات خاصة، معتبرين هذه الخطوة نموذجاً أولياً، فيما لا يزال أمام اليمن طريق طويل لاستعادة تراثه المنهوب.