مثّلت ثورة 26 سبتمبر 1962 التحول الأكبر في تاريخ اليمن الحديث، إذ أنهت نظام الإمامة القائم على الوراثة وادعاء الحق الإلهي، وفتحت أبواب الجمهورية أمام اليمنيين. كانت لحظة فاصلة أخرجت الشعب من العزلة والتخلف، وأدخلته في مسار الدولة الحديثة ومواكبة العصر.
حققت الثورة إنجازاً تاريخياً حين منحت الفئات المحرومة حق التعليم والعمل وفق الكفاءة والمؤهل، لا وفق العرق أو الولاء. تحولت أبواب المدارس والوظائف من حكرٍ على فئة محدودة إلى حق مشروع لكل يمني، في خطوة أعادت الاعتبار للإنسان اليمني وأطلقت طاقاته.
خلف هذا التحول العظيم رجال قدموا أرواحهم ودماءهم لإسقاط عصور الخرافة والفقر والجهل. حيث جسد الشهيد علي عبدالمغني ورفاقه الإيمان العميق بقدرة اليمني على بناء دولته، ورسموا ببطولاتهم ملامح عهد جديد قوامه الحرية والكرامة والمساواة.
ورغم مرور أكثر من ستة عقود، لا تزال الثورة تواجه محاولات للانتقاص منها من قبل جماعات تسعى لإعادة اليمن إلى ما قبل سبتمبر، معتبرة نفسها الأحق بالحكم وبقية الشعب مجرد رعية. غير أن إرادة اليمنيين تظل راسخة في رفض عودة الإمامة أو أي شكل من أشكال الاستعباد.
الخطر الأكبر الذي يواجه سبتمبر اليوم ليس فقط من أعدائها المباشرين، بل من الانقسام داخل النخبة السياسية والثقافية. تغليب المصالح الخاصة والطمع على المصلحة الوطنية أضعف مكتسبات الثورة، وأضر أيضاً بثورة 14 أكتوبر، ما سهّل الطريق أمام خصوم الجمهورية للنيل منها.
ما يحتم اليوم على الصف الجمهوري أن يكون عند مستوى التحدي ويتجاوز الانقسامات وير قى إلى مستوى المسؤولية التاريخية وقيم وعظمة الجمهورية وعند ذلك سيكون السد المنيع الذي تتلاشى أمامه أوهام الإمامة.
وفي مناسبة كهذه لا يد أن نسجَّل لمصر بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر وقوفها التاريخي مع ثورة سبتمبر، حيث امتزج الدم المصري بالدم اليمني في معركة الدفاع عن الجمهورية، في موقف عربي أصيل عزز قيم القومية العربية ووحدة المصير، ورسخ أن الثورة اليمنية لم تكن حدثاً محلياً فحسب، بل قضية عربية جامعة.
ستظل ثورة 26 سبتمبر رمزاً لإرادة الشعب اليمني في التحرر والكرامة. ورغم التحديات والانقسامات، تبقى قيمها حيّة في وجدان اليمنيين، ودليلاً على أن العودة إلى عصور الظلام لن تكون خياراً مقبولاً لهذا الشعب.