لم يكن علي الحبيشي، حارس ملعب "الكبسي" في محافظة إب، يعرف أن آخر ليلة يقضيها داخل غرفة الحراسة ستكون ليلة بلا فجر. كان الرجل البسيط، الذي عرفه الكثيرون بابتسامته وهدوئه، يؤدي عمله المعتاد قبل أن يختفي فجأة، ويبتلع الغياب صوته لأربعة أيام كاملة دون أن يلتفت أحد لغيابه… إلا عندما بدأت رائحة الموت تتسلل إلى المكان.
في المدينة التي تتزايد فيها جرائم القتل والنهب والاعتداءات بشكل يومي، اعتاد السكان أن يسمعوا عن ضحية جديدة كل أسبوع، لكن غياب علي ظل لغزًا محيّرًا. لم يره أحد يغادر. لم يسجل الأمن أي بلاغ. لم يطرق مسؤول باب الملعب للسؤال عنه.
كانت إب، التي باتت غارقة في الفوضى تحت سلطةجماعة الحوثي، تشغل نفسها بجرائم أخرى تتناثر في أحيائها كالأخبار العاجلة.
الرائحة التي كشفت الحقيقة
صباح أمس الأحد، لاحظ عمال يعملون في مشروع تعشيب الملعب أن رائحة غريبة تفوح من غرفة الحراسة المغلقة. ترددوا أولًا، ثم أبلغوا الأمن.
وصلت دورية - متأخرة كالعادة - ومعها فريق من البحث الجنائي. وما إن كسروا القفل، حتى ظهرت الجثة: جسد علي ملقى على الأرض، وعليه آثار طعنات في أنحاء متفرقة، ورأس مهشّم، في مشهد أثار صدمة كل من شاهده.
مقتل علي الحبيشي، جريمة جديدة تذكر سكان إب بأن مدينتهم أصبحت بلا سياج، بلا قانون، وبلا سلطة تحمي أبسط الناس. فعشرات الجرائم تتكرر تباعاً: سطو، نهب، خلافات تتحول إلى قتل، اعتداءات مسلحة، وغياب شبه كامل لدور الأجهزة الأمنية.
يقول أحد الأهالي لـ"الوحدوي نت": "نحن لا نعرف من التالي… كل يوم نصحو على جريمة جديدة. إب لم تعد مدينة، صارت مقبرة للخوف."
غضب يسابق الصمت
طالب الأهالي بفتح تحقيق جاد وسريع في الجريمة، وكشف الجناة، ووضع حدّ لنزيف الدم الذي يلاحق سكان المحافظة.
لكنهم يدركون، بمرارة، أن عشرات الجرائم السابقة لم يُعلن عن مرتكبيها، وأن إفلات القتلة من العقاب أصبح جزءًا من ملامح الحياة اليومية في إب.
رحل علي الحبيشي بصمت، هو واحد من قائمة طويلة من الضحايا الذين يسقطون وسط انهيار أمني متزايد، ومدينة تُركت لقدَرها في مواجهة العنف.
ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة السكان:
كم يجب أن تُزهق من الأرواح قبل أن تستيقظ المحافظة؟