مع بزوغ الفجر من كل يوم، يدفع آلاف الصيادين اليمنيين بقواربهم الصغيرة إلى عرض البحر بحثاً عن رزق يعيل أسرهم، لكن رحلة الصيد التي كانت لعقود مصدر حياة لسكان السواحل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث تتقاطع الألغام البحرية وتقلبات الطقس والحوادث المفاجئة في تهديد حياة العاملين في هذا القطاع الحيوي.
وأعادت وفاة أحد الصيادين قبالة سواحل محافظة الحديدة، أمس السبت، تسليط الضوء على واقع يصفه العاملون في قطاع الصيد بأنه يزداد خطورة عاماً بعد آخر. فالبحر الذي يشكل مصدر الرزق الرئيسي لآلاف الأسر الساحلية، تحول إلى بيئة محفوفة بالمخاطر التي قد تنهي حياة الصيادين في أي لحظة.
وتجسد الحادثة الأخيرة جانباً من هذه المخاطر، إذ فقد صياد يبلغ من العمر 35 عاماً من أبناء مديرية الخوخة حياته أثناء عودته إلى الشاطئ بعد رحلة صيد في ساعات الفجر الأولى. وبحسب صيادين محليين، تعرض الرجل لإصابة بالغة عندما باغتته سمكة تُعرف محلياً باسم "الخرم"، فأحدثت بجسمه جروحاً نافذة في العنق والصدر وأجزاء أخرى بسبب مقدمتها الحادة، ما تسبب في نزيف حاد أودى بحياته قبل وصوله إلى الرعاية الطبية.
ويقول صيادون في محافظات الحديدة إن مناطق واسعة من البحر الأحمر أصبحت خارج نطاق نشاطهم المعتاد بسبب انتشار الألغام البحرية ومخلفات الحرب، ما أجبر الكثير منهم على تقليص رحلات الصيد والبقاء بالقرب من الشواطئ رغم محدودية المصيد في تلك المناطق.
ولا تقتصر التهديدات على الألغام وحدها، إذ تواجه قوارب الصيد الصغيرة مخاطر متزايدة ناجمة عن سوء الأحوال الجوية وارتفاع الأمواج والتيارات البحرية القوية، خصوصاً خلال فصل الصيف. وخلال السنوات الأخيرة سُجلت حوادث غرق متكررة أودت بحياة عشرات الصيادين في السواحل الغربية لليمن.
وفي فبراير الماضي، أسفر انفجار لغم بحري قبالة سواحل الحديدة عن سقوط قتلى وجرحى من الصيادين، في واحدة من الحوادث التي تعكس حجم التهديد الذي يواجه العاملون في هذا القطاع.
وتكتسب هذه المخاطر أبعاداً اقتصادية واجتماعية أوسع، إذ يعتمد عشرات الآلاف من اليمنيين بشكل مباشر أو غير مباشر على الصيد البحري كمصدر للعيش. كما تمثل الصادرات السمكية أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للبلاد، ويُعد القطاع السمكي ثاني أكبر القطاعات الإنتاجية في اليمن بعد النفط من حيث مساهمته في الاقتصاد الوطني.
ويمتلك اليمن شريطاً ساحلياً يزيد طوله على 2500 كيلومتر يمتد على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويُعد من أغنى السواحل في المنطقة بالثروة السمكية. غير أن الصيادين يؤكدون أن الاستفادة من هذه الثروة باتت أكثر صعوبة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والبيئية التي تحاصرهم.
وبين الحاجة إلى تأمين لقمة العيش والخوف من أخطار البحر، يواصل الصيادون اليمنيون الإبحار يومياً في ظروف قاسية، حاملين آمال أسرهم على قوارب صغيرة تواجه مخاطر أكبر من قدرتها على الاحتمال.