نظام «الطيبات» تحت مجهر الجدل.. بين التحذيرات الطبية وأسئلة الواقع الغذائي في اليمن

  • الوحدوي نت
  • منذ 7 ساعات - Wednesday 10 June 2026
نظام «الطيبات» تحت مجهر الجدل.. بين التحذيرات الطبية وأسئلة الواقع الغذائي في اليمن


في بلد يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، بات الحديث عن الغذاء في اليمن، قضية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والصحة العامة والقدرة المعيشية لملايين المواطنين، أكثر من كونه نقاش يتعلق بالعادات الغذائية أو أنماط الحياة الصحية


فالحرب المستمرة منذ سنوات، وما رافقها من انهيار اقتصادي وتراجع للخدمات الأساسية، جعلت الحصول على الغذاء والرعاية الصحية تحدياً يومياً لشريحة واسعة من السكان.


وفي ظل هذا الواقع، اتسع حضور وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات الصحية والغذائية، الأمر الذي فتح المجال أمام انتشار أنظمة غذائية متعددة تتفاوت بين ما يستند إلى أسس علمية واضحة وما يعتمد على تجارب شخصية أو اجتهادات فردية. 


ومن بين أكثر هذه الأنظمة إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، الذي عاد إلى واجهة النقاش مجدداً عقب تحذيرات رسمية أطلقتها مؤسسات صحية في عدد من الدول بشأن مخاطره المحتملة عند استخدامه بديلاً عن العلاج الطبي.


بيئة خصبة للبحث عن البدائل


تشير تقارير أممية إلى أن ملايين اليمنيين يواجهون مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع مصادر الدخل واعتماد أعداد كبيرة من الأسر على المساعدات الإنسانية.


وفي الوقت ذاته، تعاني المنظومة الصحية اليمنية من ضغوط كبيرة تحد من وصول المواطنين إلى الخدمات الطبية المتخصصة، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية. ومع محدودية الاستشارات الطبية وضعف برامج التثقيف الصحي، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام كم هائل من النصائح الصحية المتداولة عبر الإنترنت، بعضها يقدم حلولاً مبسطة لمشكلات صحية معقدة.


ويرى مختصون أن هذه الظروف تجعل المجتمعات الأكثر هشاشة عرضة لتبني أنظمة غذائية أو وصفات علاجية غير مثبتة علمياً، خاصة عندما تُقدَّم في قالب سهل ومقنع أو ترتبط بقصص نجاح فردية تلقى انتشاراً واسعاً على المنصات الرقمية.


ما هو نظام الطيبات؟


يرتبط اسم «نظام الطيبات» بالطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، الذي اشتهر عبر منصات التواصل الاجتماعي بتقديم محتوى يتعلق بالتغذية والعادات الصحية.


ويقوم النظام، على تقسيم الأطعمة إلى فئتين رئيسيتين؛ أطعمة تُصنف باعتبارها «طيبات» يُنصح بالإكثار منها، وأخرى يُفضّل الحد منها أو تجنبها. كما يدعو إلى تقليل الاعتماد على الأغذية المصنعة، والعودة إلى أنماط غذائية أكثر بساطة، مع التركيز على تناول الطعام عند الشعور بالجوع والتوقف عند الشبع، إلى جانب توصيات تتعلق بالصيام وتنظيم أوقات تناول الطعام.


وقد اكتسب النظام شعبية واسعة لدى بعض المتابعين الذين تحدثوا عن تحسن في الوزن أو في بعض المؤشرات الصحية بعد تطبيقه، فيما أثار في المقابل انتقادات متزايدة من أوساط طبية وأكاديمية.


تحذيرات رسمية من مضاعفات خطيرة


الجدل حول النظام تصاعد مجدداً بعد تحذير وزارة الصحة السعودية من اتباع أنظمة غذائية غير مثبتة علمياً أو استخدامها بديلاً عن العلاجات الطبية الموصوفة.


وقالت الوزارة إنها رصدت حالات صحية تدهورت بعد إيقاف أدوية السكري، وعلى رأسها الإنسولين، أو تعديل جرعاتها بناءً على توصيات غذائية متداولة دون الرجوع إلى الأطباء المختصين.


وأشارت إلى أن بعض هذه الحالات استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً ودخول أقسام العناية المركزة نتيجة ارتفاعات حادة في مستويات السكر أو مضاعفات مرتبطة بالمرض.


كما حذرت الوزارة من تصنيف الأغذية بصورة مطلقة إلى «نافعة» و«ضارة»، مؤكدة أن استبعاد مجموعات غذائية أساسية دون مبررات طبية واضحة قد يؤدي إلى اختلال التوازن الغذائي ونقص العناصر الضرورية للجسم.


وشددت على أن النظام الغذائي الصحي يقوم على التنوع والتوازن، من خلال الإكثار من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، وتنويع مصادر البروتين، مع تقليل السكريات المضافة والدهون المشبعة والملح.


جدل امتد إلى أكثر من دولة


لم يقتصر النقاش حول «نظام الطيبات» على السعودية، بل امتد إلى عدة دول عربية، وفي مقدمتها مصر التي شهدت سجالاً واسعاً حول النظام ومؤسسه خلال السنوات الأخيرة.


وتقدّم أعضاء في مجلس النواب المصري بطلبات رقابية تتعلق بالأنشطة الترويجية المرتبطة بالنظام، مطالبين بالتحقق من الأسس العلمية التي تستند إليها الادعاءات المتداولة بشأنه، في ظل انتشاره الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


كما شهدت مصر إجراءات تنظيمية ومهنية بحق الطبيب الراحل ضياء العوضي، شملت شطبه من سجلات نقابة الأطباء وسحب ترخيص عيادته، على خلفية اتهامات تتعلق بتقديم معلومات ونصائح طبية اعتُبرت مخالفة للأصول العلمية المعتمدة.


وأصدرت جهات صحية مصرية تحذيرات متكررة من الترويج لأنظمة غذائية تدعو إلى إيقاف العلاجات الدوائية أو استبدالها بتوصيات غذائية غير مدعومة بأدلة علمية كافية.


بين المؤيدين والمنتقدين


يرى مؤيدو «نظام الطيبات» أنه ساهم في رفع مستوى الوعي الغذائي لدى كثير من الأشخاص، وشجع على تقليل استهلاك الأغذية المصنعة والعودة إلى خيارات غذائية أكثر بساطة وطبيعية.


ويؤكد بعضهم أن النظام لا يُطرح بديلاً عن الطب التقليدي، بل باعتباره أسلوباً لتحسين نمط الحياة والعادات الغذائية.


في المقابل، يشير مختصون في التغذية إلى أن المشكلة لا تكمن في تشجيع الغذاء الصحي، وإنما في تقديم تصنيفات غذائية عامة لا تراعي الاختلافات الصحية والبيئية والوراثية بين الأفراد.


ويؤكد هؤلاء أن فعالية أي نظام غذائي يجب أن تُثبت من خلال دراسات علمية موسعة وتجارب سريرية طويلة المدى، وليس من خلال التجارب الشخصية أو الشهادات الفردية مهما بلغ عددها.


كما يحذرون من أن تعميم نتائج تجربة معينة على جميع الأشخاص قد يؤدي إلى قرارات صحية خاطئة، خصوصاً لدى المصابين بالأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة.


اليمن والحاجة إلى وعي غذائي أكبر


في اليمن، يكتسب هذا الجدل أبعاداً إضافية ترتبط بواقع اقتصادي وصحي معقد. فالغذاء بالنسبة لكثير من الأسر لا تحدده فقط الاعتبارات الصحية، بل أيضاً عوامل الكلفة والتوافر والقدرة الشرائية.


ويرى مختصون أن مواجهة المعلومات الغذائية غير الدقيقة تتطلب تعزيز برامج التثقيف الصحي، وتوسيع دور المؤسسات الطبية والإعلامية في نشر المعرفة العلمية المبسطة، بما يساعد المواطنين على اتخاذ قرارات صحية مستنيرة.


كما يؤكدون أن تحسين الثقافة الغذائية لا يقل أهمية عن توفير الغذاء نفسه، خصوصاً في مجتمع يواجه تحديات متراكمة تتعلق بسوء التغذية والأمراض المزمنة وتراجع الخدمات الصحية.


ما بين التجربة والدليل العلمي


يعكس الجدل الدائر حول «نظام الطيبات» نقاشاً أوسع يتجاوز هذا النظام بعينه، ويتعلق بالعلاقة بين الغذاء والصحة في عصر الإعلام الرقمي، حيث أصبحت النصائح الصحية تنتشر بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات العلمية على تقييمها أو الرد عليها.


وفي ظل استمرار هذا الجدل، يتفق معظم المختصين على أن الغذاء الصحي والمتوازن يمثل ركناً أساسياً للحفاظ على الصحة، لكنه لا يمكن أن يحل محل التشخيص الطبي أو العلاجات المعتمدة عند الحاجة إليها.


ويبقى الحكم النهائي على أي نظام غذائي مرهوناً بما تثبته الدراسات العلمية المستقلة والشفافة، بعيداً عن المبالغات أو الانطباعات الشخصية، وبما يضمن حماية صحة الأفراد وتقديم معلومات تستند إلى الأدلة لا إلى الجدل.