تمثل الألغام الأرضية ومخلفات الحرب في اليمن أزمة إنسانية مستمرة تتجاوز كونها مجرد تهديد أمني، لتتحول إلى معضلة تنموية واجتماعية واقتصادية عميقة الأثر. فبعد أكثر من عقد من النزاع، ما تزال آلاف الكيلومترات من الأراضي الزراعية والطرق ومناطق الرعي والسواحل ملوثة بالمتفجرات، الأمر الذي يعرّض حياة المدنيين للخطر بشكل يومي، ويحد من فرص التعافي وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
وتؤكد التقارير الأممية والحقوقية أن الأطفال والنساء لا يزالون الفئة الأكثر تضرراً من مخاطر الألغام ومخلفات الحرب، في وقت تتواصل فيه حوادث القتل والإصابة في مناطق مختلفة من البلاد، رغم تراجع العمليات العسكرية المباشرة في عدد من الجبهات.
ولا تقتصر الآثار المترتبة على هذه المتفجرات على الضحايا المباشرين فحسب، بل تمتد إلى أسرهم ومجتمعاتهم المحلية من خلال الإعاقات الدائمة والخسائر الاقتصادية وتقييد الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية ومصادر الدخل.
وسلط تقرير جديد صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الضوء على التداعيات الإنسانية الخطيرة للألغام المضادة للأفراد حول العالم، مؤكداً أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول تضرراً من هذه الآفة التي تواصل حصد أرواح المدنيين وعرقلة جهود التنمية وإعادة الإعمار.
وأشار التقرير، المقدم إلى الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو وحتى 7 يوليو، إلى أن اليمن جاء ضمن الدول التي سجلت أعداداً مرتفعة من ضحايا الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب خلال عام 2024، إلى جانب ميانمار وسوريا وأفغانستان وأوكرانيا ونيجيريا ومالي وبوركينا فاسو.
وأوضح التقرير أن آثار الألغام في اليمن لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، حيث يعاني الناجون وأسر الضحايا من تدهور أوضاعهم المعيشية وصعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية، فضلاً عن الأعباء النفسية والصحية طويلة الأمد الناتجة عن الإصابات والإعاقات الدائمة.
كما أشار إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة والناجين من انفجارات الألغام في اليمن يواجهون تحديات مضاعفة خلال النزاعات المسلحة وحالات النزوح، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى المساعدات الإنسانية والرعاية الصحية والخدمات العامة.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد التقرير أن انتشار الألغام يحد من قدرة السكان على الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي ومصادر الدخل، ما يدفع بعض المزارعين والرعاة إلى المجازفة بحياتهم للوصول إلى مناطق الزراعة والرعي. وأوضح أن هذه المخاطر تؤثر بصورة مباشرة على الأمن الغذائي وسبل العيش في العديد من المناطق اليمنية.
وتناول التقرير أيضاً تأثير الألغام على الحق في التعليم والترفيه واللعب والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية والفنون، مشيراً إلى أن وجود الألغام بالقرب من المدارس أو على الطرق المؤدية إليها يعيق وصول الأطفال إلى التعليم. كما تحدث عن تقارير تفيد بوجود ألغام قرب بعض المدارس أو في محيطها، الأمر الذي يهدد سلامة المدنيين ويقيد ممارسة حقوقهم الأساسية.
وبيّن التقرير أن استخدام الألغام المضادة للأفراد يعرقل كذلك الوصول إلى دور العبادة والمواقع الثقافية، أو يتسبب في تدميرها، بما يؤثر سلباً على التمتع بالحق في المشاركة في الحياة الثقافية وممارسة الحرية الدينية.
وفي السياق ذاته، أكد التقرير استمرار استخدام الألغام المضادة للأفراد من قبل جماعات مسلحة غير حكومية وكيانات إجرامية منظمة في عدد من مناطق النزاع، من بينها اليمن، ما يزيد من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون ويطيل أمد المعاناة الإنسانية.
وعلى المستوى العالمي، أوضح التقرير أن أكثر من 58 دولة وإقليماً ما تزال متأثرة بالألغام المضادة للأفراد ومخلفات الحرب المتفجرة خلال عام 2025، رغم الجهود الدولية الرامية إلى إزالتها والحد من آثارها. وأكد أن هذه الألغام تشكل تهديداً مباشراً للحق في الحياة والسلامة الجسدية، وتتسبب في مقتل وإصابة آلاف الأشخاص سنوياً، يشكل الأطفال نسبة كبيرة منهم.
وأشار التقرير إلى أن الألغام تؤثر على مجموعة واسعة من حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الصحة والتعليم والعمل والغذاء والسكن والتنقل، كما تعرقل وصول المساعدات الإنسانية وعودة النازحين إلى مناطقهم، وتؤخر عمليات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
وحذر من الآثار البيئية للألغام ومخلفات الحرب، بما في ذلك تلوث التربة والمياه والإضرار بالحياة البرية والتنوع البيولوجي، مؤكداً أن تكلفة إزالة الألغام تبقى مرتفعة وتتطلب التزاماً دولياً طويل الأمد.
ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان جميع الدول والأطراف المعنية إلى تعزيز الجهود الرامية إلى إزالة الألغام، والامتناع عن استخدامها أو إنتاجها أو نقلها، وضمان تقديم الدعم والرعاية للناجين وأسر الضحايا، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من حماية حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة في المجتمعات المتضررة.
وتُعد الألغام المضادة للأفراد تهديداً مستمراً وشاملاً للإنسانية، يتجاوز حدود الدول المتأثرة مباشرة بالنزاعات، ويستدعي تعزيز التعاون الدولي في مجالات الإزالة والمساءلة ودعم الضحايا، لضمان حماية حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة.
مأساة الضالع
وأعادت مأساة مقتل خمسة أطفال وإصابة سبعة آخرين في محافظة الضالع، جراء انفجار ألغام حوثية أواخر يونيو الماضي، تسليط الضوء على استمرار الخطر الكبير الذي تمثله الألغام ومخلفات الحرب في اليمن، حيث تُعد البلاد من أكثر دول العالم تلوثاً بهذه المتفجرات وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.
وقد عبّر المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، عن حزنه العميق للحادثة، مؤكداً أن ما حدث يمثل تذكيراً مؤلماً بحجم التهديد الذي يواجه المدنيون، خصوصاً الأطفال الذين يُعدون الفئة الأكثر تضرراً من هذه المخلفات.
وعقب هذه الحادثة المأساوية، دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى تكثيف الجهود الدولية والمحلية لحماية الأطفال في اليمن من مخاطر الأجسام المتفجرة ومخلفات الحرب.. مؤكدة ضرورة تسريع عمليات إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، وتوسيع برامج التوعية بمخاطرها في المجتمعات المتأثرة، إلى جانب تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للناجين وأسر الضحايا.
وشدد البيان على أن هذه الحادثة تعكس استمرار الخطر الذي تمثله الألغام ومخلفات الحرب في مختلف مناطق اليمن، مؤكداً أن الأطفال يظلون الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطر بسبب وجود هذه المواد في بيئاتهم اليومية، سواء في مناطق السكن أو اللعب أو التعليم.. لافتة إلى أن النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية يزيدان من احتمالات تعرض الأطفال لمثل هذه الحوادث المميتة، ما يجعل قضية إزالة الألغام وتطهير المناطق الملوثة أولوية إنسانية عاجلة.
حوادث متكررة
تشير تقارير أممية إلى استمرار وقوع حوادث مشابهة في عدة محافظات، بينها الحديدة ومأرب وذمار والجوف، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، ما يعكس اتساع رقعة الخطر في المناطق التي يستخدمها المدنيون يومياً للزراعة والتنقل والرعي.
وتؤكد تلك التقارير أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة لمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة في اليمن، ويشكلون نسبة كبيرة من ضحايا الحوادث المرتبطة بمخلفات الحرب.
ووفقاً لتقرير سابق، صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن السكان في عدد واسع من المحافظات اليمنية يواجهون مخاطر متداخلة تشمل استمرار النزاع، والتدهور الاقتصادي، والصدمات المناخية، والنزوح المتكرر، إضافة إلى الانتشار الواسع للألغام ومخلفات الحرب.
ورصدت المفوضية خلال الفترة الأخيرة 16 حادثة في محافظات الحديدة ومأرب وذمار، مبينة أن هذه الحوادث تقع في مناطق يستخدمها المدنيون يومياً، ما يجعل خطر الألغام قائماً رغم تراجع العمليات العسكرية في بعض الجبهات.
وفي حوادث متفرقة، أدى انفجار مقذوف غير منفجر في مأرب إلى وفاة طفلة وإصابة ثلاثة فتيان، فيما شهدت محافظة الجوف حادثاً كبيراً أسفر عن سقوط عدد من الضحايا نُقلوا إلى مستشفيات مأرب لتلقي العلاج.
كما وثقت الأمم المتحدة في محافظة الحديدة ست حوادث ألغام وذخائر غير منفجرة أسفرت عن 19 ضحية، بينهم خمسة أطفال قتلى و14 مصاباً، ما يبرز اتساع نطاق الخطر في مناطق مختلفة من البلاد.
وفي أبريل الماضي، كشف المرصد اليمني للألغام عن سقوط 73 ضحية مدنية بين قتيل وجريح خلال الفترة الممتدة من أبريل 2025 إلى أبريل 2026 نتيجة انفجارات الألغام والعبوات الناسفة ومخلفات الحرب في سبع محافظات يمنية، مشيراً إلى أن الأطفال والنساء يمثلون نحو 60 % من الضحايا.
وحذر المرصد من تفاقم الخطر بسبب السيول التي تنقل الألغام إلى مناطق مأهولة أو سبق تطهيرها، داعياً إلى كشف خرائط الألغام ودعم برامج التوعية وعمليات التطهير.
وفي السياق ذاته، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، منذ يناير 2017 وحتى مارس 2026، أكثر من 1100 حالة وفاة و1400 إصابة بسبب الألغام، بينهم مئات الأطفال والنساء، إضافة إلى مئات حالات الإعاقة الدائمة وأضرار واسعة طالت المنازل والمدارس والمساجد والمزارع.
ويظل الأطفال الفئة الأكثر تعرضاً للخطر، إذ تجاوز عدد ضحاياهم 500 طفل منذ بدء التهدئة الأممية عام 2022. وتؤكد الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية أن إزالة الألغام وتعزيز حماية المدنيين ودعم الضحايا تمثل خطوات أساسية للحد من المعاناة وتحقيق الاستقرار في اليمن.
ولا تقتصر آثار الألغام على الخسائر البشرية فقط، بل تمتد إلى تعطيل الحياة الاقتصادية وعرقلة عودة النازحين وتقييد استخدام الأراضي الزراعية، فضلاً عن زيادة معاناة الأسر في ظل الفقر والنزوح وتدهور الخدمات، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً واستمراراً.
الصيادون بين الألغام البحرية
وعلاوة على ذلك، أصبحت مهنة الصيد في اليمن أكثر خطورة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت رحلات البحث عن الرزق إلى مغامرات تهدد حياة آلاف الصيادين بسبب الألغام البحرية ومخلفات الحرب وتقلبات الطقس.
وأعادت وفاة صياد قبالة سواحل الحديدة أثناء عودته من رحلة صيد، إثر إصابة قاتلة تسببت بها سمكة حادة تُعرف محلياً بـ"الخرم"، مؤخراً، تسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يواجهها العاملون في هذا القطاع.
ويؤكد الصيادون أن انتشار الألغام البحرية أجبرهم على تقليص نشاطهم والبقاء بالقرب من الشواطئ، فيما تتسبب الأمواج العالية والتيارات القوية في حوادث غرق متكررة.
وتزداد خطورة هذه التحديات نظراً لاعتماد عشرات الآلاف من اليمنيين على الصيد كمصدر دخل رئيسي، في وقت يمتلك فيه اليمن أكثر من 2500 كيلومتر من السواحل الغنية بالثروة السمكية، ما يجعل استمرار هذه المخاطر تهديداً مباشراً للمعيشة والاقتصاد المحلي.
جهود إزالة الألغام
في تقرير حديث، أشار المجلس الدنماركي للاجئين إلى أن الحرب التي اندلعت في البلاد عام 2015 أسفرت عن تلوث واسع بالألغام والمواد غير المنفجرة، لا سيما في محافظتي الحديدة وتعز، مؤكداً أن اليمن يُعد اليوم من بين أكثر الدول تضرراً بهذه الآفة على مستوى العالم.
وأعلن المجلس انتهاء تنفيذ مشروع إنساني لإزالة الألغام والذخائر المتفجرة في اليمن وتوعية أكثر من 40 ألف مدني بمخاطرها، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أنه نفذ مشروعاً بقيمة خمسة ملايين يورو لإزالة الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب والتوعية بمخاطرها في الساحل الغربي بمحافظتي الحديدة وتعز، خلال الفترة الممتدة بين يوليو 2023 ويونيو 2026.
وأضاف أن فرق المجلس تمكنت خلال ثلاث سنوات من تطهير حقلين من الألغام المضادة للمركبات في مديرية موزع بمحافظة تعز، ما أسهم في إعادة الأراضي الملوثة إلى المجتمعات المحلية وتمكينها من استئناف الأنشطة الزراعية.
كما حددت فرق المسح التابعة للمجلس 54 منطقة خطرة في الساحل الغربي زُرعت فيها ألغام مضادة للمركبات والأفراد، إضافة إلى مواقع 76 قطعة من الذخائر غير المنفجرة، جرى وضع علامات عليها تمهيداً لإزالتها وتدميرها بشكل آمن.
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 45 ألف مدني من الفئات المعرضة للخطر استفادوا من برامج التوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة، خصوصاً الأطفال الذين يُعدون الأكثر تأثراً بها، إضافة إلى الوصول إلى آلاف آخرين عبر برامج إذاعية في مدينة المخا.
وفي السياق ذاته، كشف مشروع "مسام" لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام أنه تمكن من نزع أكثر من 571 ألف مادة متفجرة من مخلفات الحرب وتأمين أكثر من 82 مليون متر مربع من الأراضي خلال ثماني سنوات من العمل في اليمن.
ووفقاً لبيان صادر عن غرفة عمليات المشروع، فإن فرق "مسام" نجحت في نزع 571,125 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة خلال الفترة بين يونيو 2018 ويونيو 2026.
وأوضح البيان أن عمليات النزع شملت 403,170 ذخيرة غير منفجرة، و151,892 لغماً مضاداً للدبابات، و7,515 لغماً مضاداً للأفراد، إضافة إلى 8,548 عبوة ناسفة، مع تأمين مساحة تتجاوز 82 مليون متر مربع من الأراضي الواقعة ضمن نطاق الحكومة المعترف بها دولياً.
كما أشار إلى أن الفرق الهندسية نزعت خلال أسبوع واحد فقط، بين 20 و26 يونيو الماضي، 2,164 مادة متفجرة، وتولت تطهير مساحة بلغت 337,056 متراً مربعاً من المناطق المتضررة.
وأضاف أن إجمالي ما تم نزعه خلال شهر يونيو ارتفع إلى 6,786 مادة متفجرة، مع تأمين أكثر من 1.3 مليون متر مربع من الأراضي.
وأكد البيان أن عمليات التطهير شملت محافظات عدة، من بينها عدن والحديدة وحضرموت وحجة ولحج ومأرب وشبوة وتعز والضالع، حيث لا يزال التلوث بالألغام يشكل خطراً على المجتمعات المحلية والنشاط الزراعي وطرق الوصول.
وفي يونيو الماضي، مدد مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، المشرف على مشروع "مسام"، عقد المشروع لعام تاسع في اليمن بتمويل بلغ 52.5 مليون دولار أمريكي.
ورغم هذه الجهود المتواصلة، يحذر مختصون من أن حجم التلوث بالألغام ومخلفات الحرب في اليمن لا يزال هائلاً، وأن معالجة هذه الأزمة تتطلب دعماً دولياً مستداماً وتسريع عمليات المسح والتطهير، إلى جانب تعزيز برامج التوعية المجتمعية ورعاية الضحايا، بما يسهم في الحد من الخسائر البشرية وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي والتنمية وإعادة الإعمار.