في الثالث عشر من يونيو من كل عام، يعود اسم إبراهيم الحمدي إلى واجهة النقاش السياسي والشعبي في اليمن، ليس بوصفه رئيساً حكم البلاد لثلاث سنوات فقط، بل باعتباره رمزاً لمرحلة ارتبطت في الوعي الجمعي بفكرة الدولة القادرة والعادلة. وبعد أكثر من نصف قرن على الحركة التصحيحية، لا يزال السؤال يتردد: لماذا بقي الحمدي حاضراً في وجدان اليمنيين؟ ولماذا تستدعى تجربته كلما اشتدت الأزمات وتعاظمت معاناة البلاد؟
عندما قاد الحمدي الحركة التصحيحية عام 1974 كانت اليمن تعيش ظروفاً صعبة لا تختلف في بعض جوانبها عن التحديات الراهنة. فقد عانت الدولة آنذاك من ضعف المؤسسات، وتداخل النفوذ القبلي والعسكري في إدارة الشأن العام، وانتشار الفساد، وتراجع الخدمات، وغياب التنمية عن معظم المناطق الريفية. وكانت ثورة سبتمبر قد حققت أهدافاً وطنية كبيرة، لكن كثيراً من اليمنيين شعروا أن حلم بناء الدولة الحديثة ما زال بعيد المنال.
جاءت الحركة التصحيحية وهي تحمل مشروعاً يركز على بناء الدولة واستعادة هيبتها، وإعلاء سلطة القانون، وإخضاع الجميع لمؤسسات الدولة. وربما كان الإنجاز الأبرز لتلك المرحلة هو إطلاق تجربة التعاونيات الشعبية للتنمية، التي جعلت المواطنين شركاء مباشرين في بناء الطرق والمدارس والمراكز الصحية ومشاريع المياه. ولأول مرة شعر كثير من اليمنيين أن التنمية ليست مجرد وعود حكومية، بل مشروع وطني يشارك فيه المجتمع والدولة معاً.
كما ارتبطت تلك المرحلة بمحاولات جادة للحد من الفساد والمحسوبية، وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، والسعي نحو بناء اقتصاد وطني أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين. ورغم قصر الفترة الزمنية، فقد تركت هذه السياسات أثراً عميقاً جعل التجربة أكبر من عمرها الزمني.
لكن سر بقاء الحمدي في الوجدان اليمني لا يعود فقط إلى ما تحقق من مشاريع وإنجازات، بل إلى ما مثله من فكرة. فقد رأى فيه كثير من اليمنيين نموذجاً للمسؤول القريب من الناس، الحريص على المال العام، المؤمن بأن قوة الدولة تنبع من خدمة المواطنين لا من السيطرة عليهم. ولذلك تحول من شخصية سياسية إلى رمز تتجاوز دلالاته حدود الزمن الذي عاش فيه.
واليوم، بينما تعيش اليمن واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، تبدو الحاجة ماسة إلى استلهام جوهر تلك التجربة، لا إلى استنساخها حرفياً. فالتحديات الحالية تختلف عن تحديات سبعينيات القرن الماضي، لكن المبادئ الأساسية ما تزال صالحة: بناء مؤسسات الدولة، مكافحة الفساد، تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، تعزيز المشاركة المجتمعية في التنمية، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة في إدارة الشأن العام.
إن اليمن لا تحتاج اليوم إلى قائد يشبه الحمدي بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني يشبه المشروع الذي حمله؛ مشروع يضع الدولة فوق الولاءات، والمواطنة فوق الانتماءات الضيقة، والتنمية فوق الصراعات، والمستقبل فوق حسابات اللحظة الراهنة.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالإرادة السياسية والرؤية الواضحة والعمل المؤسسي. وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي يمكن أن يستلهمه اليمنيون من حركة 13 يونيو: أن بناء الدولة ليس مهمة شخص واحد، بل مسؤولية مجتمع بأكمله يؤمن بأن الخروج من الأزمات يبدأ من استعادة الثقة بفكرة الدولة نفسها.
وبينما يستحضر اليمنيون ذكرى الحركة التصحيحية اليوم، فإن القيمة الحقيقية لهذه الذكرى لا تكمن في الحنين إلى الماضي، بل في البحث عن المعاني التي تجعل المستقبل أكثر أملاً. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، لكنه يقدم دائماً إشارات مضيئة لمن يريد أن يتعلم منه ويصنع طريقاً جديداً نحو الغد.