مطلع سبعينيات القرن الماضي، بدأ اسمه يُتداول على نطاق ضيق جدًا، بحكم السرية الشديدة التي انتهجها التنظيم، للحفاظ على وجوده، وعلى سرية حركته، هذا من جانب. ثم الطابع الخاص الذي تميز به النشاط في القطاع العسكري من جانب آخر، واستمر التنظيم يتبع هذا النهج في عملية البناء والتربية التنظيمية لأعضائه، ثم ازدادت تلك الإجراءات شدة وصرامة عقب فتح قيادته الحوار مع قيادة حركة 13 يونيو 1974م، بقيادة الشهيد القائد إبراهيم محمد الحمدي، وتوصلها للنتائج التي أسفر عنها الحوار بأن أصبح الشهيد الحمدي عضوًا فاعلًا في قيادة التنظيم، وحتى بعد جريمة اغتياله هو وأخوه وعدد من معاونيه من القادة العسكريين، بانقلاب 11 أكتوبر 1977م الدموي الأسود، ظلت تلك الإجراءات الأمنية بالصرامة ذاتها خلال الإعداد والتحضير لانتفاضة 15 أكتوبر 1978 الهادفة لاستعادة النهج الوطني لحركة التصحيح، إلى موقع الفعل الثوري، لتمكينها من الاستمرار بتصحيح مسار الثورة اليمنية المباركة، مما لحق بها من انحرافات، أدت في نهاية المطاف، إلى تفريغ الثورة وأهدافها الستة الخالدة من مضمونها الشعبي والتقدمي، فكان من الطبيعي أن ترتب على الانتفاضة أن يصبح التنظيم علني الاسم سري الحركة، وأن تتغير وتتعدل بعض من ضوابط الاتصال والتواصل بين الأعضاء وبين المستويات التنظيمية وفقًا لما تقتضيه الظروف المستجدة، مما سمح باللقاء وتعزيز العلاقات النضالية بين إخوة المصير الواحد.
لقد ظلت علاقتنا قائمة على متابعة أخبار ونشاطات بعضنا عن بعد، هو من موقعه في مسقط رأسه، وما كان يقوم به من نشاطات سياسية واجتماعية، وكانت تنقل إلينا تلك النشاطات، من خلال قنوات الاتصال التنظيمي، التي أُعيد تنشيطها وتفعيلها، ومن خلال زيارات الإخوة المتعددة، لأداء مهام سياسية في كل من بيروت ودمشق؛ تلك اللقاءات التي بدأها للمرة الأولى الدكتور عبدالقدوس الضواحي، طيب الله ثراه، ورافقناه أثناء تلك الزيارات، واللقاءات التي تمت بعدها مرات أخرى للعديد من التنظيمات والأحزاب السياسية اللبنانية، جرى خلالها شرح الأوضاع التي يمر بها اليمن، عقب فشل الانتفاضة، ونقل صورة عن الأنشطة التي قام بها التنظيم، لمواجهة قمع السلطة في العديد من المناطق اليمنية، ومنها اللقاء الشعبي الواسع في "حاير العش"، كان ذلك بعد وصولنا إلى بيروت قادمين من الكويت عن طريق بغداد، حيث اضطرتنا تطورات الأحداث بعد انتفاضة أكتوبر، وبعد تعرضنا لمضايقات شديدة بهدف إعادتنا إلى صنعاء يومها، أنا وزميلي المرحوم عبدالحميد طربوش، الملحق الإعلامي، وأنا الملحق الثقافي في سفارة بلادنا بدولة الكويت، وقد أفلحنا في التخلص من الرقابة اللصيقة، وغادرنا الكويت إلى العراق، ومنه إلى لبنان. وبقي كل منا يؤدي واجبه النضالي في موقعه، حتى تغيرت الظروف التي حالت دون اللقاء المباشر.
على أن انتفاضة أكتوبر، وإن لم يكتب لها النجاح، في إحداث التغيير المطلوب، فقد نجحت في الكشف عن حجم المخطط الإجرامي، الذي استهدف اليمن ولايزال، كما نجحت بفعل التضحيات الغالية التي قدمها التنظيم، بكشف أبعاد ذلك المخطط أمام الجماهير وقواها الحية، في اليمن والوطن العربي الكبير، من خلال ما تم السماح بإذاعته من وقائع المحاكمة الصورية للقيادة التاريخية للتنظيم، التي أعقبت محاولة التغيير الثوري، وإلى جانب ذلك كله كشفت عن قدرات قيادية، لإخوة دفعت بهم الأقدار لتحمل مسؤوليات جسام، ما كانوا يتصورون يومًا أن يجدوا أنفسهم في مواجهتها وتحمل أعبائها في الداخل والخارج، بكل ما فرض عليهم القيام به من وفاء، ولما رتبته عليهم من أعباء، ومنهم فقيدنا الكبير حاتم علي أبو حاتم، ثم إنها وقد وضعت الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، وفي هذا الإطار، وجد من بقي من قادة التنظيم أنفسهم، أمام تلك المسؤولية التي لا مناص أمامهم من الاضطلاع بها، وخصوصًا بعد أن امتلأت سجون السلطة الغاشمة بالآلاف من المناضلين، فكان لزامًا على من تمكن منهم من الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية، وغادر إما إلى الشطر الجنوبي من الوطن حينها، ومنهم من نجح بمغادرة الوطن للخارج، أو احتمى بمنطقته، فوفرت له الحماية، هو ومن اصطحبهم معه من إخوة نضاله، كما اهتدى إلى ذلك فقيدنا الكبير الأخ القائد حاتم علي أبو حاتم، طيب الله ثراه.
لقد شكل تواجد بعض القيادات العسكرية والسياسية من الإخوة قيادات وأعضاء التنظيم، خارج نطاق سيطرة السلطة في صنعاء، فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع التنظيمية، بعقد سلسلة من اللقاءات، أسفرت عن اختيار قيادة مؤقتة للقيام بهذه المهمة الملحة، ثم تواصلت الترتيبات لعقد مؤتمرات تنظيمية، تعيد المؤسسات التنظيمية، إلى الوضع الذي يسمح لها، بقيادة نشاط التنظيم، في ظل الظروف المستجدة، أغلب تلك اللقاءات والمؤتمرات انعقدت في مناخات بالغة الخطورة من الناحية الأمنية، وصولًا للمؤتمر الوطني العام السابع، الذي انعقد في الجوبة بمأرب في الفترة من 24 إلى 26 سبتمبر 1981م، في منزل الأخ المناضل علي عبد ربه القاضي، أطال الله بعمره، وكان من المتوقع أن يتمكن من المشاركة في أعماله فقيدنا الكبير، لكن ظروفه الأمنية كادت أن تحول بينه وبين تمكنه من ذلك، وقد أبلغت بهذه المعلومة، في جلسة الافتتاح لأعمال المؤتمر، بعد أن كلفني الإخوة الأعضاء برئاسته، إذ قدمت من دمشق للمشاركة فيه، عن طريق عدن يومها.
لقد مثل نجاح التنظيم في إعادة ترتيب أوضاعه، بعد الضربة القاسية التي تلقاها على أيدي النظام السابق وحلفائه، مثّل علامة بارزة على الحيوية التي يتمتع بها، وانعكس ذلك إيجابًا على الروح المعنوية لأعضائه وجماهيره، والقوى والشخصيات الوطنية المؤيدة لنهج حركة 13 يونيو التصحيحية، الأمر الذي مثل تحديًا حقيقيًا للسلطة القائمة حينها، وزاد من شعورها بالقلق كما عرفنا فيما بعد، خشية نجاح القوى الوطنية اليمنية، ممثلة يومها بجبهة 13 يونيو للقوى الشعبية اليمنية، والجبهة الوطنية الديموقراطية في تعزيز علاقاتهما، من خلال تشكيل تحالف وطني عريض، كان من شأن قيامه أن يشكل خطوة أساسية باتجاه إسقاط النظام، ولكن هذه الخطوة، لم يكتب لها النجاح، مع الأسف، ولا مجال هنا للتطرق للظروف التي حالت دون تحقيقها، وقد اقتضت الإشارة لها في سياق الدور الذي قام به التنظيم في حشد القوى الشعبية، لمواجهة الحملة الشرسة التي أقدم عليها النظام، وشركاؤه في الداخل والخارج، واستكمالًا لما كان بدأه بجريمة اغتيال الشهيد الحمدي، ثم في إجهاض حركة التغيير، التي أعد لها، ونفذها التنظيم كما سبق القول.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور البطولي، الذي جسد فيه فقيدنا الغالي حاتم أبو حاتم إيمانه ووفاءه وتصميمه، على الالتزام بمواقف التنظيم، وتنفيذه المهام القيادية التي أسندت إليه بحنكة واقتدار.
ثم ما قام به، وبذله من جهد وتضحيات في مقارعة النظام، وكشف جوانب انحرافه عن أهداف ومبادئ الثورة اليمنية الخالدة، وسعيه الدؤوب للحفاظ على سلطته، باتباع أساليب ووسائل شراء الذمم، وتعميق ثقافة الفساد والإفساد للحياة السياسية في البلاد، وربط مصير اليمن ومستقبل أجياله، بصفقات مشبوهة مع دول الإقليم، والقوى والشركات الدولية، غير عابئ بما يترتب عليها من نتائج مأساوية، على اقتصاد الوطن وسيادته واستقلاله على أرضه وثرواته حاضرًا ومستقبلًا.
وظل القائد أبو حاتم وفيًا للمبادئ التي آمن بها، مدافعًا عنها بشجاعة وقوة، وكما كان في فترة بقائه في مسقط رأسه، يدافع عن الثورة والجمهورية، ويقوم بحملة توعية سياسية واجتماعية، ويستنهض الهمم لنشر التعليم، وبناء المدارس وتشغيلها، وشق الطرقات، واصل دوره عند عودته للعاصمة صنعاء، بشن حملات قوية على الفساد والإفساد، والسياسات الخاطئة التي من شأنها إعاقة بناء دولة اليمن الجديد.
وبعد عودتنا من الخارج على إثر المناخات الإيجابية التي وفرها إعلان عدن التاريخي في الـ30 من نوفمبر 1989م، وبعد أن أعلن التنظيم عن وجوده في 15 ديسمبر 1989م، بعدن، عدنا إلى صنعاء.
تلك مرحلة نضالية اتسمت باستمرار اللقاءات التنظيمية والسياسية والاجتماعية، توطدت فيها علاقتي بالفقيد الكبير حاتم أبو حاتم، والكثير من الإخوة الذين كانت الضوابط التنظيمية في مرحلة العمل السري تحول دون لقائنا المباشر بهم، وكانت معظم تلك اللقاءات تتم في ديوان الأخ المرحوم القائد الدكتور عبدالقدوس المضواحي، طيب الله ثراه. ثم في مقر التنظيم المركزي بعد افتتاحه بصنعاء، وفي منزله العامر، إضافة إلى اللقاءات والمشاركة بالمؤتمرات والأنشطة السياسية التي شهدتها العاصمة، بعد الإعلان عن قيام الجمهورية اليمنية في الـ22 من مايو 1990م، يوم استعاد وطننا الغالي وحدته المباركة بطرق سلمية وديمقراطية، كأعظم إنجاز حققه النضال الوطني، في التاريخ الحديث لشعبنا العظيم.
لقد لفت انتباهي، منذ الوهلة الأولى، أن فقيدنا الكبير يتمتع بصفات قيادية أهم ما يميزها إنسانيته وبساطته وقربه من الناس، وقدرته الفائقة على نسج العلاقات مع إخوته المناضلين، ومع أطراف العمل السياسي في الداخل والخارج، علاوة على مبدئيته الراسخة، وثبات مواقفه، في التعبير عن منطلقات الفكر الناصري، وفي الدفاع عن الحرية والعدل الاجتماعي والوحدة القومية، وترجم ذلك عمليًا تجاه قضايا الأمة، في فلسطين، والعراق إبان حصاره، وليبيا أثناء تعرضها للعدوان والحصار، وفي مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومناصرة قضايا الحرية والاستقلال للشعوب التواقة لنيل حقوقها على امتداد هذا العالم.
وكما وجدنا أنفسنا (أبو الدكتور معمر) وأنا، يجمعنا مع إخوة أعزاء من المناضلين في تنظيم واحد نناضل معًا من أجل غد أفضل لشعبنا اليمني العظيم، كجزء أصيل من أمته العربية المناضلة، على امتداد وطننا الكبير من محيطه إلى خليجيه، وجدنا أنفسنا أيضًا نلتقي مع إخوة من التنظيم ورفاق وزملاء أعزاء من مختلف التنظيمات السياسية والشعبية والمهنية، للتداول والبحث لإيجاد صيغة تجمع المتقاعدين من القيادات المدنية والعسكرية، في إطار واحد، فكانت ولادة "التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية"، ومن شأن هذا التجمع، أن يتيح لهم الفرصة لمواصلة نضالهم في خدمة الوطن، إسهامًا بالكلمة والموقف، في الدفاع عن الثورة اليمنية، وعن حق اليمنيين في حياة حرة كريمة، ودعمًا لجهود بناء الدولة اليمنية المنشودة، وتم في بداية لقاءات التجمع اختيار الأخ المناضل اللواء حاتم أبو حاتم نائبًا لرئيس التجمع.
ثم وجدنا أنفسنا مجددًا من خلال التجمع، وبتضافر جهود قيادة التجمع وأعضائه، نبذل جهودنا لإنشاء "جماعة نداء السلام"، في محاولة للإسهام بالجهود الخيرة، الهادفة إلى دفع الأطراف اليمنية المتصارعة، إلى وقف إراقة الدماء، والدخول بحوار وطني مسؤول، يُخرج الناس من دوامة الصراع، وما يمثله استمراره من خطر محقق على الوطن حاضرًا ومستقبلًا، وما ترتب عليه من نتائج مأساوية على معيشتهم في الحاضر، ويعيد لهم فتح أبواب الأمل بمستقبل، لن يكون من السهل عليهم بناؤه وسط كل هذا الركام، إن لم تصدق النوايا، وتلتقي الإرادة، ويشمر الجميع عن سواعد الجد لإعادة بناء اليمن الجديد.
إننا، ومع شعورنا بالخسارة الكبيرة، لفقدنا أحد القادة المخلصين الأوفياء للتنظيم والوطن، ممثلة بالأخ القائد المناضل اللواء حاتم علي هادي أبو حاتم، ومع تسليمنا المطلق بمشيئة الله وسنته سبحانه وتعالى، في خلقه، فإن هذا الشعور يتضاعف، حينما تتعزز العلاقات النضالية، بعلاقة أخوية إنسانية وشخصية، تضمنتها ذكريات طيبة، ومواقف نبل ووفاء، ستبقى تذكرنا بحضوره بيننا روحًا، وإن غاب عنا جسدًا.
أسأل الله أن يسكنه الفردوس الأعلى في جنات النعيم، وأن يجمعه بإخوة نضاله من شهداء التنظيم وفقدائه في عليين، وأن يعصم قلوب عائلته الكريمة وأهله وقلوبنا جميعًا، بجميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
* صنعاء - أربعينية الفقيد حاتم أبو حاتم