حدثني همدان عن نيسان
د. قيس النوري
د. قيس النوري

المسافة بين بغداد وصنعاء لا تقاس بالفرسخ طولا ، فهي بعيدة أذا احتسبت بمعيار الجغرافية ، لكنها قريبة حد الالتصاق كما فهمها سيف بن يزن بخطابه إلى النعمان بن المنذر حين انتصرت المناذرة على الفرس في ذي قار ..    
بن يزن يهنئ عرب المناذرة .. لماذا وقد أبعدت الجغرافية مستودع الرجال في اليمن البعيد عن فرعهم في الحيرة .. لم تكن هناك دول بالمعنى المعاصر للكلمة ، لم يكن تلغراف وتطوراته لغاية الهاتف المحمول ، لقد وصل خبر انتصار ذي قار ربما بعد أشهر ، حمله رجل أمتطى راحلته نحو اليمن دون أن تستوقفه حدود ليزف بشرى الانتصار إلى قوم بن يزن ، لقد أتعبه طول السفر وشبعت جفون عيناه من رمال الصحراء وهو يحث الخطى ولسان حاله يقول : لابد من صنعاء وأن طال السفر..                          
ليس هناك من تفسير إلا كون الرجال هناك في اليمن البعيد ، وهنا في أرض الرباط ، الحيرة أو بغداد ، يجمعهم شعور متسربل في ذرات الدم بأنهم أمة حتى قبل أن يصهرهم الإسلام العظيم ليطيح بسواعدهم بطاغوت ، مثلما اليوم ، ملء الأرض ظلما وجورا ..               
هكذا حدثني همدان ، رغم أن تعب السنين العجاف وسم جبينه خطوط تغور في النفس قبل الجسد ، تعب السنين هذا لم يفرغ من همدان إحساسه بالجذور الممتدة بين أخاديد الرمل وبوادي تتجاوز حدود النظر ، تواصلا أبديا يريدون له أن ينقطع رغم أنه حبل الله في الأرض ..          
همدان أخي مّن أدراك آن أمتي سوف تنتصر في نهاية المطاف ؟ من أين لك هذا الأمل المترسخ في النفس وصلابة العظام ؟ الموج عال ربما لا تقدر سفينتنا التي أنهكها ضعاف النفوس من قومنا ركوب جبال الموج العاتية ، ربما لا تقدر ..  
يجيب همدان بأيمان وحكمة : كان وحيدا ، إلا من رفقة شيخ له من العمر عتيا ، لكن هذا الوحيد يعرف أنه رجل في أمة ، ويعرف أن الاختيار لا يحمل معنى العبث ..                
يمضي همدان بالحديث ، تتشكل كلماته كأنها صوت برق عكسته سفوح الجبال صدى تزيده قوة اليقين : رجل في أمة ، وحد أمة نفضت عنها سلبية العيش وولاء القبيلة لتنضوي تحت راية محمد الأمة ، هكذا كنا حتى انصهرت العرب وصارت كلها محمداّ ، لماذا أذا لا نصير اليوم كلنا محمداّ ؟ لا تنظر أخي يا أبن شام العرب إلى خور بعض الرجال ، فسواعد هؤلاء عجزت عن حمل سيف القتال ، فقط من سواعدهم قوية هم المكلفون بالمسير نحو الفجر الموعود ، فجرنا نصنعه ولابد منه وأن طال المسير ..                          
همدان أخي قد لاح نيسان البشير ، ومنه وبه ، نصنع معا عهدا للبطولة جديد .