إلى القادة السياسيين والعسكريين في مختلف الأطراف اليمنية
إلى قادة الأحزاب السياسية وقواعدها
إلى العلماء والمفكرين والمشايخ
إلى الكُتّاب وصناع الرأي والصحافيين
إلى كل مواطن يمني غيور
أيها اليمانيون العظماء،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد:
أُخاطبكم اليوم بما يُمليه عليّ الواجب الديني والوطني، كلٌ باسمه وصفته.
يعلم الله ما يتقد داخلي من نار الأسى والألم جراء استمرار هذه المعاناة، ويعلم ذلك، فمن خلال تواصلي مع مختلف الأطراف الفاعلة منذ بداية هذه المأساة، وما بذلتُ من مساعٍ صادقة وبناءة وما بيّنتُ لكم من حقائق مستقاة من عِبَر التاريخ ودروسه.
ولا شك أنكم وكل وطني غيور تشاطروني هذا الهم الثقيل، وبالتالي لستم بحاجة كي أُذكركم بحجم المآسي والمعاناة والمصاعب التي يواجهها شعبنا الأبي جراء الحرب العبثية التي طال أمدها، واستفحلت آثارها المأساوية البشعة، جراء الدماء الزكية الطاهرة التي سُفكت، ناهيك عن المعاناة النفسية التي يعيشها المواطنون الكرماء كل يوم، والأسر التي انهارت وحُطِّمت بقتل مُعيلها وتشردها وجوعها وحجم القهر الذي طالها، وما لحق بها جراء ذلك من آلام نفسية ومعنوية ومادية... إلخ.
ومع ذلك وبتقييم حصيف لما آلت إليه الأمور في بلادنا من وضع مؤسف، يبدو أن ما حدث حتى الآن لا يكاد يُذكر مقارنةً بما هو آتٍ أو ما سيطال شعبنا الجريح، إذا لم تستجب إيجابياً النُخب السياسية المُوجهة لأطراف الصراع لمنطق العقل والحكمة، فإن ما هو آتٍ وما يبدو أن الأمور ستؤول إليه - في حال استمر هذا الوضع - فإن الدمار سيكون أضعافاً مضاعفة.
إذ تلوح في الأفق مؤشرات كارثة أو حرب دولية بمباركة إقليمية، أطرافها هذه المرة دول كبرى، وبأحدث عتاد عسكري وغطاء جوي مباشر عالي المقدرة التدميرية، وبالتالي؛ فإن الضحايا وحجم الدمار سيكون أضعافاً مضاعفة، ولا شك أن شعبنا الأبي هو الخاسر الوحيد، فيما تتضخم أرصدة تجار الحروب وخزائن الدول الكبرى المشاركة فيها، وشركاتها التي تعمل في الصناعات الحربية، فضلاً عن صقل خبراتها العسكرية ومواهب أفرادها واختبار قوة نيرانها.
فالدول الكبرى المؤثرة قد نفد صبرها وبلغ بها اليأس منتهاه، جراء تعنت الأطراف المتحاربة في اليمن، وعدم حسم الأمر باتجاه السلام، ولم تعد تلك الدول قادرة على تحمل الأعباء والآثار السلبية لهذا التراخي والتباطؤ، واستمرار حالة اللا سلم واللا حرب، في موقع جغرافي حيوي وهام للعالم كاليمن.
ولم يعد أمام تلك الدول سوى التدخل بشكل سافر في الشأن اليمني وبقوة، ويبدو أن تلك الدول قد حسمت أمرها بالتدخل السافر لإخماد الفتنة (الصراع)، الذي طال أمدها وبما يحمي ويحفظ لتلك الدول مصالحها في اليمن.
وهذا أمر لا يرضي أي مسؤول شريف.
هل تعون مآلات ذلك وتمترس كلٍ منكم ضد أخيه؟
الوقتُ ينفد فسارعوا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هذا وطنكم يناديكم؛
أثبتوا جدارتكم وانتماءكم لهذا الوطن بتغليب المصلحة العامة على المصالح الحزبية والفئوية والشخصية الضيقة.
افعلوا ذلك لأجل وطنكم حتى يسجلكم التاريخ في أنصع صفحاته.
اتركوا الأنانية والتعصب... انهَلوا من بحر الحكمة اليمانية، واجلسوا مع إخوانكم، تنازلوا لبعضكم، قبل أن تصبحوا أُجراء للأجنبي في معركة سيكون الجميع فيها خاسراً ومهزوماً.
أسمع الكثير ممن يشعر باستحالة استجابة بعض الأطراف أو القبول بالتفاوض، فيما الواقع يثبت العكس، فالوقائع الماثلة أمامي من خلال تجربتي السابقة وشواهد التاريخ، تؤكد صدق ما ذهبتُ إليه وإمكانية حصول التوافق والتسوية.
لقد قمتُ ومعي الأخ السفير جمال نعمان وبتعاون كبير من قبل الأخ اللواء حيدر الهبيلي بالوساطة بين طرفي الصراع منذ الشهر الثاني لاندلاع الحرب، ونِلنا مباركة وموافقة وتشجيع من كل الأطراف الفاعلة، وتنقلنا بين صنعاء والرياض، وأوشكنا في عام 2018 على توقيع ما اسميناه اتفاق "يمني يمني"، على قاعدة (لا ضرر ولا ضرار والكل رابح) وبمباركة إقليمية ودولية، وكدنا ننجح في ذلك، حتى طرأت بعض العوامل والأحداث القاهرة، فأجهضت جهودنا وأعاقتها، وأُرجئ توقيع الاتفاق، لتدخل البلاد في مرحلة اللاحرب واللا سلم، والتي كان لها فعل المُخدر "المؤقت" فيما الناس يعانون يومياً، على أمل انفراجة كبرى تُنهي الوضع الراهن.
أما وقد عاد الوضع إلى ما قبل الانفجار أو الاشتعال الأكبر وبزخم دولي أشد وأعتى فقد صار لزاماً علينا جميعاً أن نحشد كل جهودنا وطاقاتنا وإمكاناتنا لإخماد الفتنة قبل حدوثها.
وعليه؛ يجب على كل الشرفاء في الوطن الغالي؛ المُسارعة في الانضمام إلى هذه المبادرة الخيرة لاستكمالها وصولاً إلى تسوية سياسية شاملة بين مختلف الأطراف، قبل أن يعض الجميع أصابع الندم، إذ لم يعد لدينا وقت لنهدره، ولا نعلم حجم الأخطار المحدقة باليمن، عقب الانتخابات الأمريكية التي ستجري في نوفمبر المقبل.
لقد أصبح اليوم، العمل الجاد والمثمر من أجل تحقيق السلام فرض عين على كل مواطن مخلص وشريف، بل ويعدُّ ذلك من أرفع درجات الجهاد في سبيل الله لما فيه من حقنٍ للدماء... وإحلال السلام في مجتمعٍ يتوقُ له وللأمن والاستقرار والعيش الكريم.
- فمن يستطع الوساطة وجمع الشمل فليفعل.
- ومن يستطع مساعدة فريق الوساطة فليفعل.
- ومن يستطع المساهمة الفكرية فليفعل.
- ومن في قدرته المساهمة في الترويج أو التوعية عبر وسائل الإعلام المختلفة وتسخير ما يملك من وسائل وإمكانات فليفعل.
ومن لم يكن قادراً على المساهمة في أيٍّ من هذه الأعمال الخيّرة فليلزم الصمت عن إثارة الفتن والتحريض، والتشاؤم والأفكار السلبية، وهذا أضعف الإيمان.
إنّ العمل على حقن دماء أحباب الله ورسوله وخيار أهل الأرض، أهل الحكمة والإيمان وأول من يشربون من الحوض، يعد في الظرف الراهن أفضل وأجل وأرفع أنواع الجهاد في سبيل الله؛ جهاد السلام العادل والمنصف. إنه أمر لا يحتمل التأخير.
ختاماً: أسأل الله السلام، أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما من شأنه إخماد الفتنة المستشرفة وحقن الدماء وبناء يمن جديد، يمن المحبة والسلام، يمن الإخاء والوئام، والنماء والخير.