ما الذي يجعل الأمتين العربية والإسلامية تلتزمان الصمت على جرائم الكيان الصهيوني في قطاع غزة؟
هل بلغ بهما الضعف والعجز عن نصرة إخوانهم في غزة إلى هذا الحد - رغم ضخامة الجيوش والأسلحة التي يمتلكونها؟
أم أنهم بالفعل يريدون التخلص من حماس وإنهاء عمل المقاومة لتحقيق السلام مع دولة الكيان الصهيوني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما ذنب الشعب الفلسطيني في غزة ومساكنهم التي تُدمَّر ومعظمهم لا ينتمون لحماس؟
أم أن حكام العرب والمسلمين هم، في الأساس، عملاء وجواسيس يؤدون مهمة الولاء والطاعة وينفذون ما تطلبه الإدارة الأمريكية منهم دون اعتراض أو تقصير؟
لا يمكن أبدًا أن تنعدم أمام حكام العرب والمسلمين وسائل وقف هذا العدوان وهذه المجازر الوحشية التي ترتكبها دولة الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين في غزة وغيرها من المدن الفلسطينية. العقل والمنطق يؤكدان ذلك. وإن سلمنا بعدم إمكانية الخيار العسكري وعدم قدرته على وقف العدوان الصهيوني وحماية الشعب الفلسطيني، فهناك الكثير من الوسائل والخيارات التي لا يستطيع أن يقلل من شأنها أو من فاعليتها عاقل، مثل الجهود السياسية والتحركات الدبلوماسية والضغط الاقتصادي وتوحيد المواقف والجهود بالمطالبة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي ومحكمة الجنايات الدولية والمنظمات الدولية وحشد الرأي العام العالمي المتضامن مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. كل هذه الوسائل متاحة وممكنة ولها فاعليتها الإيجابية في وقف العدوان وكسر الحصار وحماية غزة وأهلها.
ألم تسخر دول عربية وإسلامية كالسعودية وإيران وتركيا والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان الكثير من جهودها وسياساتها وأموالها في سبيل إثارة الفتن والحروب الأهلية وتغذية الصراع الطائفي بين أبناء الوطن الواحد في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان والصومال وحتى بين الفصائل الفلسطينية؟ جهودهم ومساعيهم لا تزال تتطلع إلى مصر والجزائر كساحات جديدة وإضافية لصراعهم ومشاريعهم القذرة. فكيف تعجز إمكانياتهم وتنعدم وسائلهم حين يتعلق الأمر بالصراع مع الكيان الصهيوني وحماية الشعب الفلسطيني؟
إننا في زمن المصالح الاقتصادية، والجانب الاقتصادي من أهم وسائل الضغط لردع ووقف سياسة الكيان الصهيوني. وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -وهو الراعي الرسمي لهذه المجازر- عن زيارته لثلاث دول عربية خلال الأيام القادمة (السعودية والإمارات وقطر) لعقد صفقات ومصالح تجارية واستثمارية معها. بالإمكان ممارسة الضغط وتقديم حلول واقتراحات لإقناع الإدارة الأمريكية بتغيير مواقفها من الكيان الإسرائيلي، واتخاذ خطوات جادة لوقف العدوان وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم وتأمين حياتهم. هذا حق مشروع لهم إن كانت لديهم النوايا الصادقة في إنهاء الصراع وتحقيق السلام بالمنطقة. وطالما أن ترامب يرغب وبشدة في عقد هذه الصفقات وتحقيق هذه المكاسب من هذه الدول، ناهيك عن وقف التعامل السياسي والاقتصادي مع الكيان الإسرائيلي الذي لديه أيضًا الكثير من المصالح التجارية والاقتصادية والسياسية مع هذه الدول وغيرها من الدول العربية والإسلامية، فهل يتجرأ هؤلاء على تحقيق تقدم في طريق وقف العدوان الصهيوني وإنهاء الصراع وتحقيق السلام الذي غالبًا ما نسمعه في خطاباتهم وبياناتهم وتصريحاتهم، إضافة إلى تحقيق العدالة الدولية في إقامة الدولة الفلسطينية ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب في غزة؟
لقد شاهدنا طوال فترة العدوان الصهيوني على قطاع غزة موجة غضب شعبية عالمية ومواقف سياسية وإنسانية دولية تضامنًا مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. وكانت مواقف عدد من الدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية وأمريكا الجنوبية والوسطى أكثر تقدمًا وتأثيرًا من الدول العربية والإسلامية. وكان بإمكان حكام العرب والمسلمين إطلاق وتفعيل جهود جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لتشكلا حاضنتين أساسيتين لدعم وإسناد القضية الفلسطينية، ومن خلالهما إيجاد تحالف دولي واسع لصد العدوان الصهيوني ووقف الحرب والضغط على مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة لتنفيذ خارطة الطريق وتحقيق مبدأ قيام الدولتين كأقل واجب تقدمه هذه الدول لتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.
لكننا جميعًا ندرك ونعِي أن أنظمة دول كالسعودية وإيران وتركيا والإمارات وقطر والأردن والبحرين وعمان والمغرب وباكستان وغيرها، كل هذه الأنظمة مجرد أدوات أوجدتها ظروف التغيرات السياسية ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتؤدي وظيفة تنفيذ سياسات ومشاريع أقطاب الصراع الدولي خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتقاسم النفوذ العالمي بين تلك الأقطاب التي نالت استحقاق هزيمة القائد الألماني أدولف هتلر. ولا تزال هذه الأنظمة تتوارث الحكم وفق استراتيجية السياسة البريطانية واتفاقية سايكس بيكو التي ملكت اليهود أرض الفلسطينيين وصنعت سياجًا أمنيًا حاميًا للكيان الصهيوني يتمثل في أنظمة هذه الدول ونهج سياساتها التي تتعارض مع مصالح الشعوب العربية والإسلامية.