كان النظر إلى جثة هامدة محاطة بالورود، بلباس ناصع البياض مرشوش بروائح العطر، أمرًا مرعبًا، أشبه بذهابنا إلى البرزخ ونحن على قيد الحياة. التحديق في حشد التشييع ورؤية إطار الجنازة يثير الذعر فينا لأيام متواصلة. يموت شخص، ولا ندري عن وفاته سوى القليل من الأقاويل. من الطبيعي أن يحب الجميع منظر الورود وروائح العطر واللون الأبيض الباعث للسكينة، لكن عندما ترتبط هذه المستحبات بالموت، يتغيّر كل شيء.
المفارقة العجيبة اليوم أن يُلقى المرء مصرعه في أي شارع، وما يلبث إلا قليلًا حتى يكون مصيره موثقًا بالصوت والصورة، ومتداولًا بين أوساط العامة وفي وسائط العالم الرقمي، أو خبرًا غير عاجل تؤجله القنوات إلى حين يصحو ضمير الإنسانية لتعلنه خبرًا هامًا.
فحتى لو كان موتك بثًّا مباشرًا على مرأى ومسمع العالم، فلن يكترث أحد بهذه المناظر البشعة. نحن في عالم لا تثير حفيظته أشنع المآسي، سواء تطايرت دماء من لقي حتفه أو تعالت صرخاته أو مزّقته الرصاصات؛ لن يشعر أحد بحجم الوحشية.
وهذا أمر مفزع ناتج عن الآثار الخطيرة التي تخلفها الحروب والصراعات. لقد أصبحت هذه المشاهد بالنسبة للمتلقي أمرًا أقرب إلى الطبيعي، فلا تتأثر مشاعره بها، فكل مشهد يتكرر – وإن اختلفت أماكنه وأدواته – يخلق وعيًا مغايرًا، ويعزز في الذهن التأقلم معه، فيجعلك إلى حد ما تشعر بأن هذا أمر بديهي وربما سيحدث مجددًا وستشاهده بصورة أخرى.
كان للموت مهابة كبيرة، وكان ارتكابه خطأً فادحًا لا يقع فيه إلا النادر ممن لديه نزعة ثأر. أما اليوم، فالموت يُوزّع في الشوارع بأسعار رخيصة، ويُشرعن في المحاكم على العلن، والكل يتسابق ليصبح "عزرائيل" حاصد الأرواح، الذي لا سلطة تعلو عليه. لا توجد قوانين صارمة أو رادعة بحق من يرتكب الجرائم، وهذا إن دل على شيء، فهو لا يؤكد سوى غياب الدولة بكل مؤسساتها. لكأننا نعيش في غابات سميناها مدنًا، فلا دستور يسودها غير قانون كان شائعًا في العصور الوسطى، يقتضي بأن القوي يسحق الضعيف.
من المتعارف عليه أن اليمن بلد يشتهر منذ زمن بعيد بظاهرة حمل السلاح، ويُعد من الضروريات اللازمة، بل ومدعاة للفخر. فالصغير والكبير يحمل السلاح، وحتى المرأة يمكن أن تحمله وتجيد استخدامه. والجدير بالذكر أنه إلى جانب هذه الثقافة المنتشرة في أوساط المجتمع اليمني، كانت الحرب عاملًا مساعدًا في تفشي كوارث القتل العمد وغير العمد.
وإلى جانب الحرب التي مزقت أوصال المجتمع ونسيجه، نرى اليوم في واقعنا اليمني ومختلف مدنه حالة من التناحر والاقتتال، وجرائم قتل يندى لها الجبين وتقشعر لها الأبدان، تُرتكب بحق مدنيين عزل وأطفال أبرياء وشباب مسالمين ورجال ونساء لا ناقة لهم ولا جمل، لا في الحرب ولا في افتعال المشاكل أو التسبب في أذى الآخرين. تُرتكب هذه الجرائم دون أي مسوغ قانوني أو تحت أي مبرر منطقي، وكلها تُنفذ بطرق ولأسباب لا يمكن لأي عقل بشري متزن أن يصدقها أو يخضعها للتحليل؛ فهي أقرب إلى الجنون، أو إلى حالة خاصة من حالات علم النفس تطورت نتيجة واقع مليء بشتى الأحداث الدموية.
ففي كل مرة تحدث فيها جريمة جديدة، يقف العقل مشدوهًا لا يستطيع تفسير شيء، لكن الحقيقة الصادمة – التي نخاف منها جميعًا – أن غالبية اليمنيين اليوم، مع الأسف، وصلوا إلى مرحلة لا يمكنهم فيها تخيل بلدهم من دون حروب. وهذا ما يؤجج بشدة النزعة العنيفة في العقل الباطن، ويجعل من كل شيء في هذا الوجود اعتباطيًا وعدميًا لا يستحق أن يُكترث له. فمن شدة الاقتتال بيننا، وصل كثيرون إلى التفكير في الانتحار، وهذه أشد الموبقات: أن يتعدى المرء هذا الحد من اللاوجود.
ما يزال القليل من اليمنيين ينشد الاستقرار والسلام للبلد، ويرى مستقبلًا قليل الوضوح، لكن الغالبية وصلت إلى فقدان الصواب، وإلى رؤية المستقبل باهتًا ومبهمًا بشكل لا يمكن فهمه على الإطلاق. وهنا يراودني سؤال مهم: كم من الزمن يحتاجه اليمن لتنتهي هذه الكوارث؟ وماذا بعد الحرب؟ وكم من السنين يحتاجها اليمني بعد انقضاء الحرب ليتعافى من العلل التي خلفتها في أعماقه، والتي تسببت في تشوه ملامحه؟
لكن ما أدركه جيدًا أن هناك الكثير من الأسئلة الجادة والمحورية التي يجب أن تُثار في صلب هذه القضايا، والتي يجب أن تستند إلى البحوث والدراسات الاجتماعية، وإلى الكتابة والحديث المطول، لكي نحصل على إجابات نموذجية لكل هذه التساؤلات الهامة.