من يعادي ثورة سبتمبر يتاجر بقضية فلسطين
أشرف الريفي
أشرف الريفي


منذ سنوات ترفع جماعة الحوثي شعار "الموت لإسرائيل" وتدّعي الدفاع عن فلسطين وغزة. غير أن ممارساتها في الداخل اليمني تكشف مفارقة صارخة: فالجماعة التي تزعم مقاومة المشروع الصهيوني، هي نفسها التي تسعى إلى هدم النظام الجمهوري الذي وُلد بثورة 26 سبتمبر 1962، وتحويل هوية الدولة اليمنية المتعددة إلى هوية طائفية ضيقة.


ثورة 26 سبتمبر كانت نقطة التحول الكبرى في تاريخ اليمن، حيث أسقطت حكم الإمامة الكهنوتي وأرست دعائم الجمهورية والمواطنة والمساواة. هذه الثورة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي المرجعية الثورية والسياسية التي تستند إليها شرعية الدولة اليمنية حتى اليوم.


لكن الحوثيين، وهم امتداد للفكر الإمامي الذي ثار عليه اليمنيون، ينظرون لسبتمبر كعدو مباشر لمشروعهم، فيواجهون كل مظاهر الاحتفال بذكراها بالقمع والاعتقال والمطاردة، بل يصل الأمر إلى اتهام المحتفلين بالعمالة والانخراط في "مخططات إسرائيلية" لمجرد تمسكهم بجمهوريتهم.


الدفاع الحقيقي عن فلسطين يعني الوقوف مع الشعوب في حقها بالحرية والكرامة، وهو ما يتناقض جذريًا مع ممارسات الحوثيين ضد اليمنيين من قتل الآلاف وتشريد الملايين. ومصادرة الحريات والزج بالصحفيين والمعارضين في السجون.


فمن يتاجر بقضية عادلة ليبرر انقلابه على دولة وشعب، إنما يستخدم فلسطين كورقة لكسب التعاطف العربي والدولي، لا كقضية مبدأ أو التزام.


من المفارقات اللافتة أن إسرائيل منذ ستينيات القرن الماضي كانت معادية لثورة 26 سبتمبر، باعتبارها ثورة تحررية عربية تهدد مشاريعها في المنطقة. واليوم نجد الحوثيين يسيرون على نفس النهج في عدائهم للثورة، وكأنهم يلتقون مع إسرائيل - موضوعيًا - في هدف واحد: إضعاف اليمن، وتمزيق هويته العربية الجامعة، وإعادة إنتاج نظام إمامي يخدم مخططات التفكيك الطائفي. 


وكما هو معلوم تقوم سياسة الحوثيين، مثل غيرهم من أدوات المشروع الإيراني، على إذكاء الصراعات الطائفية والمذهبية. وهذه السياسة ليست بعيدة عن التصور الذي روّج له اليمين الصهيوني المتطرف عن "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط الجديد"، القائم على كيانات ضعيفة ممزقة على أسس هوياتية متصارعة.


من يرفع شعار فلسطين بينما يهدم ثورة اليمن ويقمع جمهوريته، لا ينصر قضية بل يتاجر بها. فالنصرة الحقيقية لفلسطين تمر أولًا عبر احترام إرادة الشعوب وحقها في الحرية، وليس عبر إعادة اليمن إلى كهوف الإمامة وإشعال الفتن الطائفية التي تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تحاربه.