في فجرٍ تتناثر فيه نجوم الحرية على جبين صنعاء، اهتزت الأرض تحت وقع أقدام الثوار، وانطلقت الدبابة الأولى لتفجر أسوار قصر البشائر، فتتهاوى معه هيبة الإمامة المتغطرسة، تلك التي ادّعت أن السماء منحتها حق الحكم، وأن الأرض وُجدت لتكون ضيعةً لها ولأتباعها. في تلك اللحظة لم يسقط جدارٌ من حجرٍ فحسب، بل انهار قرنٌ كامل من الوهم والعبودية، وسقطت معه فكرة "الحق الإلهي" التي كانت تستمد سلطانها من قداسة زائفة.
لقد كان اليمنيون على موعد مع ميلاد جديد. كان السادس والعشرون من سبتمبر 1962، يومًا خرج فيه الشعب من تحت ركام القرون، ليعلن أن اليمن لن يكون بعد اليوم قطيعًا يساق بالعصا، ولا أرضًا يحرثها الكهنوت بعقائد الاستعباد. من بين دخان المعارك، ارتفعت شمس الجمهورية، لتضيء القرى والجبال والسهول، وتبشر بميلاد وطنٍ سيّد، حرّ، كريم.
كان ليل الإمامة طويلًا، أطبق على اليمن بالعزلة والجهل والفقر، حتى بدت البلاد وكأنها منسية خارج التاريخ. لا مدارس تُشيّد، ولا مستشفيات تُفتح، ولا كتاب يُنشر؛ بل كانت السجون والقيود والتجهيل هي سلاح الحكم. وحين أزفت ساعة الثورة، كان صوت المدفعية التي دكّت عرش الإمام، أشبه بجرس بعثٍ أيقظ الملايين من سباتهم، ليهتفوا من أعماق القلوب: "الجمهورية أو الموت!".
وما أروع ذلك المشهد حين توهجت صنعاء بالحرية، وارتفعت رايات سبتمبر على أسوارها. كانت دماء الثوار تسيل لتكتب أولى حروف الدستور الجمهوري، وكان صدى الرصاص يعلن أن زمن العبيد قد انتهى، وأن وطنًا جديدًا يولد من رحم التضحية.
إن سبتمبر كان ثورةً على فكرة، على كهنوتٍ أراد أن يحجب شمس الله عن أرضٍ عُرفت عبر التاريخ بأنها مهد الحضارات. فمنذ فجر التاريخ، واليمن لا يعرف الانحناء إلا لخالقه، ولا يرضى أن يكون أسيرًا تحت عصا طاغية، لذلك كانت سبتمبر امتدادًا لروح سبأ وحِمير، ووريثة لتاريخٍ مجيد أبى أن يُطمس.
واليوم، بعد ثلاثة وستين عامًا، يحاول الإماميون الجدد أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء، أن يعيدوا الشعب إلى كهوف الجهل وظلمات الوهم، لكنهم يصطدمون بجدار سبتمبر المتين، وبإرادة أمةٍ أقسمت ألا تسمح للظلام أن يعود، وألا تسلّم رقابها لعبيد السلالة من جديد.
فبينما ظنّ كثيرون أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 قد دفنت الإمامة إلى غير رجعة، عاد شبحها بوجه معاصر وأدوات متجددة، لذلك يصفه البعض بأنه "ظاهرة طيفية" تُذكِّر بأن الماضي لم يُدفن قط، بل كان كامناً ينتظر لحظة الانبعاث، حمل معه نوازع انتقام ورغبة في تقويض مكتسبات الجمهورية ومقدراتها، ككائن يسعى إلى استعادة جسده القديم وحقه المزعوم في المُلك، جاثماً على صدر الحاضر ومصادراً حلم الدولة الحديثة.
والدولة الإمامية العميقة، التي انبثق منها الانقلاب لم تأت من فراغ؛ بل هي بنية نفسية ـ تاريخية متجذرة، تقوم على ثنائية مقدّسة ترى الحكم حقًا إلهيًا حصريًا للسلالة، وتعتبر الرعية مكلَّفين بالطاعة والولاء لأنهم خُلقوا لخدمة تلك السلالة. هذه البنية لم تمت في عام 1962، بل انكفأت إلى الطبقة السفلى من الوعي الجمعي لشريحة واسعة، محافظةً على نواتها الصلبة عبر التغلغل في مفاصل الدولة، وبناء اقتصادٍ موازٍ، وتنمية ذاكرة مظلومية متوارثة بين أجيالها.
وجاء انقلاب 21 سبتمبر كتجسيدٍ عنيف وصريح لهذه الدولة العميقة، كثورة مضادة وجودية ضد فكرة الدولة الوطنية ذاتها. مشروعه يرتكز على استبدال العقد الاجتماعي المدني القائم على المواطنة المتساوية بـ "العقد الغيبي"، حيث تُستمد الشرعية لا من الإرادة الشعبية، بل من أوهام الحق الإلهي الزائفة. فالقائد ليس رئيسًا منتخبًا، بل "إمام" أو "نائب عنه"، والولاء ليس للوطن المجرّد، بل للراية التي تحمل شعارًا دينيًا ـ سياسيًا. بهذا المعنى، كان الانقلاب اللحظة التي خرج فيها الشبح من قمقم الماضي ليزعم أنه الحاضر والمستقبل.
وهيهات لهذه المشاريع الكهنوتية أن تستمر، فثورة الـ 26 من سبتمبر، روح تسري في دمائنا، ونور يتجدد في عيوننا، ووعد خالد بأن اليمن، ما دام أبناؤه أحياء، سيظل جمهوريًا، حرًا، أبياً، لا يقبل الخنوع ولا يستسيغ العبودية.
أيها اليمني العظيم، حين ترفع رأسك في هذا اليوم المجيد، تذكّر أن الدبابة التي فجّرت قصر الإمامة، لم تفتح أبواب صنعاء وحدها، بل فتحت أبواب المستقبل لأجيال قادمة.
تذكّر أن شهداء سبتمبر لم يرحلوا عبثًا، بل تركوا لك وصية مكتوبة بدمائهم: لن ترى الدنيا على أرضنا وصيًا.