استعادة روح سبتمبر وأكتوبر بين الوعي المفقود ومخاطر التشويه
يحيى الضبيبي
يحيى الضبيبي


من المؤسف أن الصراع الراهن أسهم في إعادة رسم صورة مشوّهة للواحدية النضالية في ثورتي سبتمبر وأكتوبر، إذ تحاول بعض الأطراف استثمار الخلافات التاريخية لتهميش الحقائق، وتعميق الانقسامات، وصياغة وعي جمعي قائم على الكراهية والتحيز، بما يؤدي إلى استدامة الصراعات السياسية والاجتماعية ويُفخخ المستقبل بأحقاد لا تنضب.


لقد كانت الروح الثورية والهوية المشتركة بمثابة الدرع الذي تصدّى لكل محاولات التجزئة، ما يجعل من دراسة هذه الأحداث في سياقها التاريخي ضرورة مُلحة لفهم واقع اليمن الراهن. فالتاريخ يمتد كظل على الحاضر، والأحداث التاريخية تميل إلى إعادة نفسها بصور وأشكال مختلفة، وهو ما يحتم قراءة واعية ومتأنية للاستفادة من الدروس، وتجنب تكرار الأخطاء التي لطالما أعاقت مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة.


لقد تركت الحروب والصراعات التي شهدتها البلاد آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة. فالتفكك الاجتماعي، وانهيار الروابط بين أفراد المجتمع، وفقدان الثقة، كلها نتائج مباشرة لصراع مستمر يمتد جذوره إلى حرب صيف 1994. ومع تراكم الجروح السياسية على مدى العقود، تحوّل النضال الوحدوي إلى صراع مؤسساتي معقد، وظهرت مشاعر اليأس وفقدان الهوية، مما عرقل جهود تعزيز الوحدة الوطنية وبناء مجتمع متماسك.


ولا يقتصر الأمر على فشل الدولة، بل يشتمل أيضاً على سوء الممارسات السياسية لأغلب الأطراف والتيارات، التي أسهمت في تفاقم آثار الأزمات التاريخية، وتعميق الانقسامات، وإضعاف النسيج الاجتماعي الذي أصبح أكثر هشاشة في ظل الصراعات الحديثة. وقد أدى هذا العجز إلى محدودية التفاعل الاجتماعي، وعرقلة أي عملية إصلاحية يمكن أن تعيد إنتاج اللحمة الوطنية.


وقد أسفر الصراع عن إعادة تشكيل الأنماط السلوكية للمجتمع، وظهور مظاهر العنف والفرقة، مما عزز من هشاشة البنى الاجتماعية، وزاد من صعوبة استعادة الاستقرار الشامل. 


وفي ظل الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي الحالي، صار الحديث عن بناء مستقبل مستدام وكفؤ أمراً يوازي الحلم المستحيل، خاصة مع تمسك الأطراف بمخططاتها التي تهدف إلى الإقصاء والاستحواذ على السلطة والثروة، على حساب المصلحة الوطنية العليا.


واليمن اليوم لا يحتاج فقط إلى تسويات سياسية، بل إلى بعث روح جديدة في قلوب أبنائه. روح تقول إن الوطن أكبر من جراحنا، وأغلى من مصالحنا الضيقة، وأبقى من نزوات السلطة والهيمنة، لأن النهوض يبدأ من الوعي، والوعي يولد حين نتذكر أن الثورة لم تكن يومًا خيارًا عابرًا، بل قدرًا تاريخيًا صنعته الملايين التي حلمت بالكرامة.


والمشهد اليمني الراهن يستدعي إعادة قراءة التاريخ بتمعن، إذ يبرز أن الوحدة في الهدف التي جمعت أبناء الشمال والجنوب كانت حجر الأساس للنضال المستمر من أجل الحرية والاستقلال. ذلك الهدف الذي تجاوز الصراعات المحلية، وعبّر عن رفض الاستعمار والملكية الكهنوتية الاستبدادية، وتأكيد أن اليمن لن ينعم بالحرية إلا بتحرير كل أراضيه وتوحيد شعبه ضد أي أشكال الطغيان، سواء كانت خارجية أم داخلية. ولعل أخطر ما يواجه اليمن اليوم هو محاولة تشويه ذاكرة النضال الواحد، وتحويل الصراع السياسي إلى انقسام اجتماعي طويل الأمد.


لقد كان النضال اليمني أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إنه سيرورة وعي ثقافي واجتماعي، تميزت بمقاومة فكرية وعملية شاملة، شملت المثقفين والصحفيين والنقابيين إلى جانب الثوار المسلحين، جميعهم ساهموا في إشعال شعلة الوعي الوطني، وترسيخ مفهوم التحرر الوطني الشامل.


ولذلك، تتعاظم اليوم حاجة اليمن إلى ثورة وعي شعبية، تدرك مخاطر الصراع، وتعمل على لملمة الشتات، والانتصار لمستقبل يعيد الاعتبار لنضال أحرار ثورتي سبتمبر وأكتوبر، مستمدة قوتها من الروابط الأزلية بين أبناء اليمن، وروح الوحدة الوطنية التي شكلت جزءاً أصيلاً من الهوية اليمنية الراسخة.


فالوعي الجمعي وحده قادر على بناء جيل يواكب التطورات الحديثة، ويعبر عن قيم العدالة والتضامن والتعاون، متجاوزاً الصراعات المستدامة التي تغذيها السلطات والمتنفذون لإبقاء الحال على ما هو عليه. والتحول نحو وعي شعبي جامع هو السبيل الوحيد لتغيير المعادلة، وإعادة بناء المستقبل على أسس التلاحم الاجتماعي والوحدة الوطنية.


واستحضار التماسك الثوري الذي ساد مسيرة الحركة الوطنية هو ضرورة اليوم أكثر من أي وقت مضى. فاليمن لا يزال بحاجة إلى إحياء روح الثورة لمواجهة تفكك النسيج الاجتماعي والسياسي، وتجديد الالتزام بمبادئ الثورة التي دافعت عن كرامة الإنسان وحقوقه، ورفضت الاستبداد بجميع أشكاله. فذاكرة النضال ليست مجرد سطور في كتب التاريخ، بل دماء سالت في الجبال، وأناشيد هزّت القلوب في الساحات، ودموع أمهات ارتجفت وهي تزف أبناءها إلى ميادين الحرية. فهي إذن ذاكرة مشبعة برائحة التراب الممزوج بالعرق والدم، وحين يحاول البعض تشويهها فإنهم لا يمسون مجرد وقائع، بل يعتدون على وجدان شعب،  وعلى جذورٍ حفظت سرّ البقاء، وتوارثت القدرة على الإزهار كلما حاولت العواصف اقتلاعها.


والشعوب التي تسمح بسرقة ذاكرتها تُسلب مستقبلها قبل حاضرها، فالتاريخ حين يُزيف يصبح سلاحًا خطيرًا يُزرع في صدور الأجيال القادمة، فيجعلهم سجناء أوهام وصراعات مصطنعة. وحده الصدق مع الذات، واستعادة المعنى الحقيقي للثورة والنضال، يمكن أن يفتح الطريق نحو الغد الذي يستحقه اليمنيون.


تبقى الثورة اليمنية، في مراحلها المختلفة وتضحيات أبنائها، حكاية نضال مستمرة، تحمل في طياتها قيم الحرية والعدالة والكرامة. حكاية لن تنتهي ما دام هناك من يحمل شعلة الأمل والتغيير من أجل مستقبل أفضل لليمن.