عبدالله المجعلي.. القائد الناصري الذي واجه الاستعمار والمؤامرة
هادي عامر
هادي عامر


أنا هادي محمد عامر، عاصرتُ الثائر والقائد الناصري عبدالله محمد ناصر المجعلي الحسني، وهو أحد مؤسسي الجبهة القومية في الجنوب، وكان يمثل التيار الناصري في ثورة 14 أكتوبر 1963م.


وكان من الذين أسسوا التنظيم الشعبي للقوى الثورية، الذي ضمّ عددًا من الفرق الفدائية التي ناضلت من أجل تحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني، حيث كانت تلك الفرق منتشرة في معظم مناطق الجنوب المشتعلة.


قاد القائد المجعلي قافلة من الجمال محمّلة بالأسلحة والذخائر من تعز عبر البيضاء مرورًا بيافع حتى ردفان، التي كانت الثورة مشتعلة فيها. وبعد استشهاد الشيخ راجح غالب لبوزة، اختار المناضلون في ردفان القائد عبدالله المجعلي خلفًا له، رغم أنه من محافظة أبين، وذلك لما يتمتع به من رجاحة عقل وشجاعة نادرة. تولّى المسؤولية عن جدارة، وكانت الفرق الفدائية التي تحت إمرته ثماني فرق، منها:



فرقة النصر بقيادة المناضل خالد المفلحي


فرقة صلاح الدين بقيادة المناضل عبدالرحمن الصريمي


. فرقة الوليد بقيادة المناضل سيف حمود


. فرقة المجد بقيادة المناضل محمد عبدالله الصغير


. فرقة الفتح بقيادة المناضل عزب محمد فضل


. فرقة الوحدة بقيادة المناضل علي بن علي هادي


. فرقة سند والرسول بقيادة المناضل محمد ناصر قدح مختار


. فرقة النجدة بقيادة المناضل سالم الهارش الشبواني


كانت هذه الفرق الفدائية العمود الفقري للنضال ضد الاستعمار البريطاني وعملائه، وقد أبلت بلاءً حسنًا، وأصبحت الرعب الحقيقي للاحتلال البريطاني.


كانت خيوط هذه الفرق بيد هذا البطل الأصيل عبدالله محمد المجعلي، الذي تمتع بكاريزما قيادية مميزة، وحظي بالحب والاحترام والتقدير والطاعة النضالية المطلقة. وكان أيضًا قائدًا لجيش التحرير الذي تدرب في الحوبان والمعادي بالجمهورية العربية المتحدة.


اهتم القائد المجعلي بالشباب والطلبة، مؤمنًا بأنهم قادة المستقبل، ولهذا تبنّى القاعدة الطلابية، ورعى الشاب عيسى محمد سيف وزملاءه الأحرار ليصبحوا ذخيرة التنظيم الناصري وقياداته المستقبلية.


كان القائد عبدالله المجعلي وطنيًا مخلصًا لوطنه وعروبته، مؤمنًا بمنهج ومبادئ الزعيم الخالد جمال عبدالناصر. وقد سمّى ابنه الأول جمال، والثاني خالد تيمنًا بخالد جمال عبدالناصر. وكانت المؤامرات الداخلية والخارجية تُحاك ضد ثورة 23 يوليو الناصرية في مصر واليمن على السواء.


في اليمن، كان القائد المجعلي ملهِمًا لجميع أطياف الناصريين، ما أثار حفيظة المتربصين به وبالناصرية، حتى من داخل بعض قيادات جبهة التحرير ذات العلاقات المشبوهة مع أطراف معادية للتجربة الناصرية.


وفي عام 1967م، ومع العدّ التنازلي لخروج الاستعمار البريطاني، جهّز المجعلي قوات من جيش التحرير بهدف السيطرة على بعض المناطق في الجنوب. تحركت تلك القوات المدربة إلى السيلة البيضاء، لكن تمت خيانة القوة وبيعها بالتنسيق مع جهات معادية لصالح الجبهة القومية التي كانت قد حسمت أمرها بالتفاهم مع قوات الاحتلال البريطاني لإفشال أي تقدم للقوات المدعومة من عبدالناصر. ووقعت القوة في فخ مُحكم أدى إلى فشل الخطة.


شعر القائد المجعلي بأن خيانة قد وقعت، فعزم على العودة إلى صنعاء للاطلاع على التفاصيل والتواصل مع القيادة العربية المصرية. ووفق شهادة أحد مرافقيه، محمد عوض باعوضه، فقد كانوا يستقلون سيارة “لاند روفر”، وأثناء مرورهم عبر نقيل يسلح تعرّضوا لحادث مروري أصيب فيه القائد إصابة طفيفة، لكنه واصل الرحلة إلى صنعاء، ودخل المستشفى وهو في حالة جيدة.


من هناك، بدأت خيوط المؤامرة للتخلّص منه، كونه أبرز رموز الناصرية في اليمن. وبعد ساعات قليلة من دخوله المستشفى، أعلن عن وفاته بشكل مفاجئ وغامض.


تم تجهيز جثمانه بسرعة غير معتادة ونقله إلى تعز، حيث كان يقيم، ورافق الجثمان من قيادة جبهة التحرير كلٌّ من محمد سالم باسندوة وعبدالله الأصنج، وهما لم يكونا على وفاق مع الشهيد المجعلي.


وتشير تسريبات إلى أن أعداء عبدالناصر من المصريين واليمنيين كانوا وراء اغتيال القائد عبدالله محمد ناصر المجعلي، مؤسس التنظيم الشعبي وقائد جيش التحرير.


خسرت اليمن برحيله أحد أبرز رجالها المخلصين. وقد شهدت مدينة تعز أكبر جنازة في تاريخها، تقدمها الزعيم عبدالله السلال وقيادات الجمهورية، إضافة إلى قيادات جبهة التحرير وجيش التحرير والفدائيين.


وعقب استشهاده، أعلن الفدائيون في التنظيم الشعبي تأسيس فرقة فدائية مقاتلة تحمل اسمه بقيادة المناضل سالم عوض الميسري. كما شهدت مدن الجنوب المحتل، وخاصة عدن، مسيرات جنائزية حزينة رغم الوجود الاستعماري، وكثف الفدائيون عملياتهم ضد الاحتلال البريطاني.


هذه لمحة عن القائد والأب عبدالله محمد ناصر المجعلي، المولود في مدينة أمقليته بمديرية مودية محافظة أبين عام 1930م، وله ثلاثة أبناء: جمال، خالد، وصالح، وابنة واحدة.


لم يترك لأولاده شيئًا من متاع الدنيا، فقد عاش مناضلًا شريفًا زاهدًا في الحياة، لم تغره مباهجها ولا مغرياتها. عاش أولاده بعده حياة بسيطة كأغلب أبناء الشعب.


لقد كان القائد عبدالله محمد ناصر المجعلي قدوة حسنة لكل المناضلين والمدافعين عن الجمهورية والعروبة، وسيظل رمزًا وطنيًا خالدًا مدى الحياة.