دم أفتِهان المشهري… نداءُ تعز الأخير
عبدالملك المخلافي
عبدالملك المخلافي


 

لم تكن أفتِهان المشهري مجرّد موظفةٍ في مرفقٍ حكوميٍّ منهك، ولا مديرةً عابرةً في سجلات الإدارة المحلية، بل كانت ضميرَ مدينةٍ بأكملها. اغتيالُها لم يكن رصاصاتٍ طائشةً في شارعٍ مزدحم، بل طعناتٍ في قلبِ تعز؛ المدينة التي علّمت اليمنَ معنى النور، فتحوّل نورُها إلى رماد.


في اللحظة التي سقطت فيها أفتِهان، كانت تعز تسقط معها. ولم يكن في المشهد ما يُدهشني بقدر ما يُؤلمني، فقد رأيتُ هذا الانهيار قادمًا منذ زمن، وكنتُ أحذّر مرارًا من تمدّد الفوضى ومن الغطاء السياسي الذي يحمي الفوضى ويعيد إنتاجها كلَّ يوم.


رحيلُها لم يكن حدثًا عابرًا؛ لقد هزَّ ضميرَ المدينة، وأيقظ سؤالًا ظلَّ مؤجلًا طويلًا: كيف وصلنا إلى هذا الحدِّ من الاستهتار بالحياة؟


كانت أفتِهان، في نظر الناس، امرأةً نزيهةً أدّت عملَها بضميرٍ وإصرار، ورفضت الانخراط في دوائر الفساد التي التهمت روحَ المؤسسات. دفعت الثمن لأن النزاهة في زمننا هذا أصبحت عبئًا على من يريدون أن يسرقوا ويعيدوا توزيع المدينة كسوقٍ للمكاسب. جُرِّمت لأنها أدّت واجبَها، واغتيلت لأنها اختارت أن تبقى نقيةً في وسطٍ يزداد تلوّثًا يومًا بعد يوم.

لم أعرف أفتِهان شخصيًا، وإن كنتُ قد عرفتُ الأب الذي أنجبها، لكن صورتَها كانت قريبةً من كل من يحلم بتعزٍّ نظيفةٍ — نظيفةٍ في شوارعها، وفي مؤسساتها، وفي ضميرها. ولهذا، حين سال دمُها، شعرنا جميعًا أننا فقدنا شيئًا من أنفسنا؛ ليس لأنها شخصٌ بعينه، بل لأنّ ما مثّلته اختُطف منّا بالقوة.


كان اغتيالُ أفتِهان نتيجةً متوقَّعة لتحويل القوى المتنفّذة العملَ العام إلى حصصٍ ومغانم، ووضعِ مظلاتٍ فوق كل مسؤولٍ تحميه إن انتمى، وتقصيه إن اختلف. في ظل هذا الغطاء السياسي الكئيب، لم يعد الفاسد يخاف، بل صار الشريف هو المهدَّد. والجريمة التي أزاحت أفتِهان لم تُضف شيئًا جديدًا إلى سجلّ القبح في تعز، بقدر ما كشفت قبحًا كان مستترًا؛ أزاحت الغطاء عن جرائمَ سابقةٍ طُمست، وأعادت إلى الواجهة أصواتَ الضحايا الذين صمتوا خوفًا أو قهرًا أو يأسًا. وما إن سال دمُها حتى بدأ كل من فقد عزيزًا يرفع صوته قائلاً: «لن نصمت بعد اليوم».


ومن بين ما كشفه هذا المشهدُ المؤلم أيضًا حقيقةٌ أكثرُ مرارة: أن ثمة أياديَ أخرى وراء الرصاص. فحين حاول البعضُ أن يبرّر الحادثة أو يُميّعها أو يصرف الأنظار عنها، بدا واضحًا أن الجرائم هنا ليست أعمالًا فردية، بل نتاجُ مناخٍ أُتيح وسمح به، وأصواتٍ غذّتها مصالحٌ ضيّقة. والجهةُ التي تخلق مناخَ القتل لا تختلف أخلاقيًا عن من يسحب الزناد؛ فكلاهما قاتل، لكن الأول أخطر لأنه يبقى مختفيًا خلف كلمةٍ أو قرارٍ أو موقفٍ سياسيٍّ يُعطّل التغيير والعدالة.


غير أن الأكثرَ إيلامًا من الجريمة نفسها هو محاولاتُ التغطية عليها.

حين تتورّط بعضُ وسائل الإعلام ومنصّات التواصل وأقلامٌ مدفوعةٌ وموجَّهةٌ في تبرير الجريمة أو التقليل من فظاعتها أو صرف الأنظار عن حقيقتها، فإنها ترتكب جريمةً ثانية لا تقلّ بشاعةً عن الأولى.


رأينا كيف سعى بعضُ الكتّاب والنشطاء إلى تحويل الجريمة إلى مادةٍ للجدل العقيم، وكيف حاول آخرون تمييع دمِها بالاتهامات أو التشكيك أو الصمت المريب. بل حاول بعضهم إثارة النزعات المناطقية، في وقتٍ تحتاج فيه المدينة إلى صوتٍ واحدٍ للحق. كل من كتب لتشويه الحقيقة أو لتغطية القاتل أو لحرف البوصلة شريكٌ في اغتيال أفتِهان؛ إذ الكلمة حين تفقد شرفَها تتحوّل إلى رصاصةٍ أخرى تُصيب روح المدينة.


أفتِهان لم تكن مجرّد امرأةٍ اغتيلت، بل كانت امرأةً استثنائية عظيمة تولّت عملًا عامًا شاقًّا وقياديًا، خصوصًا في الظروف التي تعيشها مدينةُ تعز بما فيها من حصارٍ وحربٍ وانعدامٍ لوسائل وإمكانات النظافة. لقد كشفت التسجيلات المصوّرة والمسموعة التي تم تداولها عن أفتِهان وجهًا آخر من شخصيتها — لمن عرفها ولمن لم يعرفها: وطنيةٌ نقية، ونزاهةٌ لا تفاوض فيها، وإيثارٌ يتجاوز المصلحة الذاتية، وقوةُ امرأةٍ لم تَخَفْ قولَ الحق.


في تلك اللقطات، بدا واضحًا أن الخسارة ليست خسارةَ عائلةٍ فقط، بل خسارةٌ لا تُعوَّض لتعز واليمن كله؛ فقد فقدنا صوتًا عاملاً وضميرًا حيًا يقف أمام منطق النهب، وخسرت المدينةُ امرأةً مثلها: جادّة، حازمة، حاملةً لقيم الخدمة العامة بروحٍ لا تنتظر ثناءً ولا تطلب جزاءً.


ولأنها كذلك، فلا بدّ أن يكون الموقف واضحًا مما انتشر بعد اغتيالها في تعز من ظواهرَ مناطقيةٍ مقلقة تُفرّق بين الناس على أساس الانتماء، وتُستخدم لتغطية الجريمة أو تبريرها، وكأن الجريمة تُقاس بالهوية لا بالفعل.


يجب أن يكون الموقفُ واضحًا: الدم لا يُغطّى بالعصبية، ولا يُمحى بالقرابة أو الانتماء. الجريمة لا منطقة لها ولا نسب، والقاتلُ يبقى قاتلًا مهما كان اسمه أو منطقته أو لقبه. من ارتكب الجريمة، ومن حرّض عليها، ومن وفّر لها الغطاء، يجب أن يُحاسَب أين كان.

علينا أن نتبرّأ من كل من جعل من المنطقة غطاءً للقتل أو مبررًا للصمت، لأن العدالة الحقيقية لا تعرف سوى معيارٍ واحدٍ هو الحق والقانون.


ولا بد أن ندرك أن تعز لن تُشفى ما لم تتحرّر من هذه النزعات الضيّقة التي تُدمّر روحَها الجامعة؛ فمدينتنا لا يجب أن تعرف سوى لونٍ واحدٍ هو لون إنسانها، ومدنيّتُها تتحقّق بسيادة القانون والمساواة لا بالألقاب ولا بالمناطق.


ولا يمكن أن تستعيد المدينةُ والمحافظةُ عافيتَهما ما لم تُحرَّر مؤسساتها من التسييس. والبدء الحقيقي يمرّ عبر تحييد الجيش واحترافه؛ فالجيش يجب أن يكون للوطن، لا لفصيلٍ ولا لحزبٍ أو جماعةٍ أو منطقة. تحييدُ المؤسسة العسكرية عن الحياة المدنية ضرورةٌ وطنية وأخلاقية، لأن تعز واليمن لا يحتاجان إلى جيشٍ يطلق منتسِبوه الرصاص في الشوارع لترويع الآمنين واغتيال الأفراد، بل إلى قوةٍ منظّمةٍ محترفةٍ قادرةٍ على حماية الوطن واحترام المدنيين.


الجيشُ المحترف يعلم أفراده أن لا يطلقوا الرصاص إلا في وجه من يهدّد الوطن، لا في وجه المواطنين. ومن هنا تبدأ الدولة: حين يعرف السلاحُ حدودَه، وتعود السياسةُ والخلافات إلى مقاعدها الطبيعية في قاعات المحاكم وجلسات النقاش، لا في الأزقة والشوارع.

وإذا كان الجيشُ ذراعَ الوطن، فإن الأمن قلبُه النابض. وحين يتلوّث هذا القلب، يختنق الجسد بأكمله.


تعز تحتاج اليوم إلى تطهيرٍ شاملٍ لأجهزتها الأمنية من كل من خان القسم أو تواطأ أو سكت عن الجرائم. والتطهير لا يعني انتقامًا عشوائيًا، بل استعادةَ مؤسساتٍ تعمل بمبدأ المسؤولية والشفافية، وفق نظام تحقيقٍ مستقلٍّ ومساءلةٍ علنيةٍ لكل من تلطّخت أيديهم بالفساد أو التستّر. فلا أمن يُبنى على الفساد، ولا عدالةَ تنبت في مؤسساتٍ مريضة.


لقد كانت جريمةُ اغتيال الشهيدة أفتِهان اغتيالًا لمعانٍ كثيرة، وفاجعةً لمحافظةٍ بل لوطنٍ دمّرته الحرب التي أشعلها الانقلاب الحوثي. غير أن هذه الفاجعة أصابت أسرةً كريمةً على رأسها رجلٌ أعرفه جيدًا وأحمل له كل التقدير والاحترام: الصديق محمد أحمد المشهري، رجل الأعمال والقنصل الفخري لليمن في إسطنبول. عرفته إنسانًا نبيلاً، صادقًا، رفيعَ الخلق، نقيَّ الضمير. ما من وجعٍ يقارن بفقده ابنتَه بهذه الصورة الوحشية، والتي لطالما حدّثني عنها بفخرٍ واعتزاز.


لكنّي أؤمن أن وجعه لن يتحول إلى كراهية، بل إلى إصرارٍ على ألّا تُقتل النزاهة مرتين — مرةً بالرصاص ومرةً بالنسيان. لقد قدّم لتعز واليمن ابنةً شهد الجميع بنزاهتها، وترك لنا جميعًا واجبًا مقدسًا: أن نحفظ اسمَها كما نحفظ أسماء المدن العظيمة التي لا تموت. وأشهد من معرفتي الطويلة به أنه رجلُ صبرٍ وإيمانٍ وعزيمةٍ لا تنكسر؛ عرفته دائمًا يؤمن أن الكلمة أقوى من الرصاصة، وأن الحق لا يُقتل ولو قُتلت صاحبته.


ورغم الفاجعة، كان في المشهد ما يُعيد الأمل. الدمُ الذي أرادوه صمتًا صار صوتًا للمدينة. خرج الناس من كل الفئات — نساءً ورجالًا، موظفين وعمالًا، مثقفين وبسطاء — يحملون صورَها في الشوارع ويردّدون كلماتٍ لم يجرؤوا على قولها من قبل. كأن الجريمة أزاحت الغشاوة عن أعينهم فبدأوا يرون حجم الخراب المتراكم. ذلك التضامن الشعبي العارم، وتلك الإدانات التي جاءت من كل الاتجاهات، أعادت تعريفَ المدينة لنفسها؛ فجأة، لم تعد أفتِهان ضحيةً فردية، بل رمزًا جمعيًا لضميرٍ يستيقظ. دمُها أيقظ المدينة من سباتها الطويل، وأعاد إلى الناس شعورَهم بأن الصمت شراكةٌ في الجريمة.


لكن الحزن وحده لا يكفي. لن يشفي شيئًا إن لم يتحوّل إلى فعل، ولن يُعيد الغضبُ شيئًا إن لم يُترجَم إلى مشروعِ تغييرٍ حقيقي.

أفتِهان لا تحتاج إلى دموعنا، بل إلى استمرار العمل بروحها: في النزاهة، في الإصرار، وفي المواجهة.

يجب أن يتحوّل هذا الألم إلى مراجعةٍ جذريةٍ للمنظومة كلّها — في الأمن، في الإدارة، في السياسة، وفي احترام قدسية الكلمة ومسؤولية ما يُقال ويُنشر ويُذاع.


والواجب اليوم — بعد أربعين يومًا على اغتيالها — كما كان بالأمس وكما سيكون لاحقًا، هو أن يتحقّق العدل، وعلى رأس الواجبات كشفُ جميع المجرمين: ليس فقط من ضغط على الزناد وقُتل أثناء القبض عليه، بل كل من خطّط وسهّل وشارك وحرّض وصنع المناخ الذي سمح بهذا القتل البشع.


إن من استتر خلف الألقاب والحماية السياسية يجب أن يُكشَف ويُحاسَب؛ فالمنفّذ المباشر قد مات، لكن الجريمة لم تنتهِ ما لم تُعرَّف الشبكة الكاملة التي أوصلت المدينة إلى هذه اللحظة.

وأخيرًا:


إلى روح الشهيدة أفتِهان المشهري، التي لم أعرفها شخصيًا لكني شعرت بها أختًا في القيم وصوتًا نقيًا في زمنٍ ملوّث، أقول: رحلتِ جسدًا، لكنك بقيتِ فينا معنىً وسؤالًا ومسؤولية.


وإلى تعز، المدينة التي أحببتُها كما يحب المرء وجهه الأول في المرآة، أقول: كفى صمتًا، كفى ترددًا، كفى تعايشًا مع الفوضى. لقد آن الأوان لأن تُطهّري جسدك من القبح، وتستعيدي مكانك الطبيعي كعاصمةٍ للثقافة والعلم والحلم، لا كعاصمةٍ للجريمة والفساد والدم المسكوب.

لن يكون دمُ أفتِهان مجردَ ذكرى تُتلى في أربعينيةٍ عابرة، بل وصيّةً علينا أن نحملها.

وصيّة تقول: لا كرامةَ لوطنٍ يُقتل فيه الشرفاء ويُكافأ فيه الفاسدون.

وصيّة تقول: لا مدينةَ بلا أمن، ولا أمنَ بلا عدالة، ولا عدالةَ بلا ضمير.

إنني أكتب هذه الكلمات لا لأؤرّخ لمأساةٍ جديدة، بل لأقول إن المدينة التي أنجبت أفتِهان قادرةٌ أن تُنجب نهضتَها من جديد.

تعز لم تمت، لكنها تنزف. وما زال في عروقها دمٌ حيٌّ اسمه: أفتِهان المشهري.


*****

نشر في كتاب الأربعينية للشهيدة أفتِهان المشهري، الذي أُقيم في تعز اليوم 10 نوفمبر 2025 في منتزه التعاون، بعنوان:

«أفتِهان المشهري – أيقونة التغيير المؤسسي».