في اللحظة التي يظن فيها المدافع عن أسوار تعز أنه قد استراح، تكون المعركة قد بدأت تخسره؛ لا برصاص العدو، بل بوهم الوصول قبل بلوغ الغاية. فالتعب ليس علامة نهاية، والهدوء ليس دليل حسم، بل قد يكونان بداية الانزلاق نحو أخطر ما يواجه المقاتل: الشعور المبكر بالانتصار قبل اكتماله.
هنا تبدأ الهزيمة الحقيقية؛ لا حين يتقدم الخصم، بل حين يتراجع الوعي، وحين يُستبدل الهدف الكبير برضا مؤقت، وتُختزل المعركة في لحظة ظنٍّ لا في مسار كفاحٍ طويل.
حين تتحول البطولة إلى ما يُعرض أمام عدسة، لا ما يُصنع في الميدان، تفقد معناها تدريجيًا؛ إذ تتحول من فعلٍ صامتٍ عميق إلى صورةٍ عابرة تبحث عن تصفيق، ومن تضحيةٍ صادقة إلى سرديةٍ مشروطة بالاعتراف. وهنا، يصبح الخطر داخليًا أكثر منه خارجيًا.
إن ما يحدث اليوم في تعز من سباق محموم على ملكية "البدايات"، وتوزيع صكوك "الخيانة" و"العمالة" بين رفاق الخندق الواحد، ليس خلافًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل انحدارًا خطيرًا من روح المقاومة الجامعة إلى عبث الجدل الممزق؛ انحدارٌ لا يليق بمن لم يحسم معركته بعد، بل لم يبلغ منتصفها، ولا يزال في قلب اختبارها الحقيقي.
نحن أمام مشهد يبدّل أولوياته على نحو مقلق؛ تُستبدل البنادق بالكلمات، وتتحول المتاريس إلى منابر، ويعلو ضجيج المنصات على هدير الميدان، حتى يكاد الصوت يطغى على الفعل، والادعاء على التضحية. وفي هذا الانقلاب، تضيع البوصلة دون أن يشعر أصحابها.
لكن الحقيقة الصلبة لا تتغير، مهما ارتفعت الأصوات وتعددت الروايات؛ فالمعركة التي لم تُحسم لا تُختصر، والنصر الذي لم يكتمل لا يُعلن.
الطلقة الأخيرة—التي ترسم المعادلات وتضع الحرب أوزارها—لم تُطلق بعد، وما زالت مؤجلة إلى حيث يُحسم الصراع فعليًا، لا حيث يُعاد تدويره في الخطاب.
لقد توحدت تعز يوم كان الهدف أكبر من الجميع؛ يوم كانت الأسماء تتراجع ليتقدم المعنى، وكانت التضحيات تُنسب للمدينة لا للأفراد، ويتحول الألم المشترك إلى قوة جامعة. من عدنان الحمادي وحمود المخلافي إلى يوسف الشراجي، والشدادي، والوافي، والشميري، وأبو العباس، وصادق سرحان، وعارف جامل، وعبدالرحمن الشمساني، ومن خلفهم جيشٌ من الشهداء الذين صاغوا بدمهم المعنى الحقيقي للوحدة… حينها لم تُسأل تعز: من أنت؟ بل أجابت بالفعل قبل القول: نحن جميعًا.
كانت روحًا واحدة لا تتجزأ، وكانت طلقة واحدة لا تنقسم؛ هدفها واضح، واتجاهها واحد، ومعناها أعمق من كل تصنيف.
أما اليوم، فقد انقسمت حين صغُر الهدف وكبُر الأفراد؛ حين توهم البعض أن الحصار قد انتهى، وأن الوطن قد عاد، فبدأوا ترتيب المشهد كأنه ختام لا مقدمة، وكأن المعركة قد أغلقت صفحاتها بينما لا تزال فصولها مفتوحة.
وهنا يكمن الخلل العميق، لا في اختلاف الرأي، بل في اختلال التوقيت.
وهنا يبدأ التيه، حين يُفقد الإحساس بمرحلة الصراع وحدوده.
إن التخوين المتبادل اليوم ليس موقفاً سياسياً ناضجاً، بل هو سقوط أخلاقي ومعرفي؛ ومجرد «حديث عجائز» يُقال في غير وقته، ومراهقة تُمارس على حساب دمٍ لم يجف بعد. يحدث هذا في وقتٍ لا يزال فيه قناص السلالة يترصد أطفال المدينة ونساءها، ولا يزال مشروع العبودية يطوق المداخل. يحدث ذلك بينما الخطر قائم، والمعركة مفتوحة، والمدينة تدفع كلفة بقائها كل يوم، بصمتٍ يفوق ضجيج المتجادلين.
المقاوم الحقيقي لا يعرّف نفسه، ولا ينتظر من يعرّفه، لأنه لا يقاتل من أجل الاسم، بل من أجل المعنى.
يقف… ويقاتل… ويمضي؛ لا يلتفت لما خلفه من صدى، ولا ينتظر ما أمامه من تصفيق، لأنه يدرك أن الطريق أطول من لحظة، وأن الهدف أكبر من شخص.
لا يلتفت لصورة، ولا يطلب شهادة، لأن قناعته أعمق من التصفيق، وهدفه أبعد من الظهور، وإيمانه بالفعل يغنيه عن كل رواية تُكتب عنه أو تُقال.
ومن أراد أن يُعرف، فليُعرف هناك… حيث لم تُحسم المعركة بعد، وحيث لا تزال الكلفة تُدفع، والنتائج تُصاغ بالفعل لا بالادعاء.
في باقي تعز، وإب، والبيضاء، وذمار، وصنعاء، وصعدة، والحديدة… هناك تُكتب الأسماء بحروف من فعل، لا من قولٍ ولا من قائل؛ هناك حيث لا تُمنح الألقاب، بل تُنتزع بالاستحقاق.
هناك فقط تُمنح البطولة، لأنها هناك تُختبر، وهناك تُثبت، وهناك تُدفع أثمانها كاملة.
أما هنا، في زحام الاتهامات، فلا يُصنع نصر، بل يُهدر ما تبقى منه، وتُستنزف طاقته في معارك جانبية لا تضيف إلا مزيدًا من التآكل الداخلي.
إن الانشغال بإنكار تضحيات الآخرين دون معيار، وبناء أمجاد فردية على حساب ذاكرة جماعية، ليس إلا خدمة مجانية لخصمٍ يتغذى على الانقسام، ويكبر كلما صغرنا، ويقوى كلما تفرقنا.
طريق الخروج واضح، لكنه يتطلب شجاعة مختلفة؛ شجاعة الاعتراف بالخلل، لا التمادي فيه، وشجاعة إعادة التوجيه، لا إعادة التبرير.
أن نعيد تعريف المعركة، لا أن نعيد ترتيب الأسماء؛ وأن نضع الهدف في مكانه الطبيعي فوق الجميع، لا أن نضع الجميع فوق الهدف.
أن نكبر بالهدف، لا أن نُصغّر الوطن إلى مقاسنا، ولا أن نحوّل المعركة إلى مرآة تعكس ذواتنا بدل أن تكون طريقًا نحو خلاصنا.
تعز لا تحتاج من يعلن انتصاره فيها، ولا من يعدد بطولاته فوق أرضها…
بل تحتاج من يُكمل انتصارها في باقيها وخارجها، حيث لم يُحسم الصراع بعد، وحيث ينتظر الفعل من ينجزه.
من أراد النصر الحقيقي، فليغادر ضجيج المنصات إلى صمت الميدان، حيث تُختبر النيات، وتُقاس الأفعال، وتُكتب النتائج.
فليحرر ما تبقى… ثم يتحدث، لأن القول بعد الفعل شهادة، أما قبله فادعاء.
أما التاريخ، فلا يُخدع، ولا يُجامل، ولا يكتب إلا ما يستحق البقاء.
لن يخلّد من قال: كنت هنا، ولا من روى قصته بصوتٍ عالٍ،
بل من صنع الفرق حين كان يجب أن يكون هناك، في اللحظة التي تُصنع فيها التحولات.
فاحذروا… أن تفيقوا يومًا وقد ربحتم الجدل، وخسرتم تعز، وخسرتم معها المعنى الذي خرجتم لأجله.
فالطلقة التي لم تُطلق بعد… هي وحدها التي ستقول الكلمة الأخيرة، وتكتب الفصل الذي لا يقبل التأويل.