أحمد علي حسن.. حكاية فدائي من زمن الثورة
هادي عامر
هادي عامر


أنا هادي عامر.. أكتب اليوم عن شخصية وطنية ومناضلة وناصرية بامتياز، لم يكتب عنها أحد وطواها النسيان.. هذه الشخصية هي المناضل أحمد علي حسن الحسني، من مواليد عام 1944 بمدينة الشيخ عثمان، وبالأصح الشيخ الدويل، ومن أسرة بسيطة مثل بقية الأسر في تلك الفترة. 


تلقى تعليمه الأولي في مدارس الشيخ عثمان، واشتغل بهندسة السيارات التي كان يهواها ليكسب رزقه الحلال ويصرف على والديه اللذين كان يعيلهما، وكان باراً بوالديه بشكل يثير الدهشة، وكان مثالاً يُضرب به المثل في طاعة الوالدين واحترامهما. وهذه المقدمة كان لا بد منها كمدخل لهذه الشخصية التي كانت لها أدوار نضالية مشهودة.


البطل أحمد علي حسن انتمى للتنظيم الشعبي للقوى الثورية العربية منذ بداية التأسيس، وكان من أوائل المناضلين الذين أسسوا القطاع الفدائي للتنظيم الشعبي للقوى الثورية العربية في عدن والجنوب، وكان حركياً نشيطاً في استقطاب واستيعاب العديد من الشباب إلى صفوف التنظيم الشعبي، وكان يمثل القدوة الحسنة للشباب في روح التضحية والفداء، وكان مقداماً وجريئاً في تنفيذ العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال البريطاني، الأمر الذي أزعج المستعمرين الذين قاموا بزرع الجواسيس من العملاء والبصاصين ليرشدوهم إلى أماكن تواجد هذا البطل، ولكنه بحنكته وحذره الشديدين كان متيقظاً لمثل هكذا أمور.


وكنا جميعاً ننصحه بالحد من حركته وظهوره الدائم حفاظاً على ألا نخسر هذا الشجاع المقدام. كان عندما يستقبلنا في منزله نلحظ من أولى خطواتنا الصور المتراصة للزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وكان والداه فخورين بابنهما البار وبما يقوم به من نضال ضد المستعمر البريطاني وعملائه من أبناء جلدتنا.


قام بالعديد من العمليات الفدائية الجريئة والمشهودة، وكانت إذاعة لندن بين الحين والآخر تذيع أن أحد الإرهابيين قام بتفجير قنبلة يدوية في قوات الاحتلال. وظل يتنقل كالنحلة من منطقة إلى أخرى ليلتقي بإخوته الفدائيين، وكان أيضاً متعاطفاً ومتعاوناً مع إخوة النضال من مناضلي الجبهة القومية في ساعة العسرة، حيث كان يمدهم ببعض العتاد العسكري، وللأسف الشديد هؤلاء هم الذين استباحوا دمه عندما لاحت لهم الفرصة، جزاءً لما كان يمدهم به من دعم ساعة العسرة التي مروا بها.


وعندما حان موعد إعلان الاستقلال نشطت المخابرات البريطانية وعملاؤها من العرب، ومعهم للأسف الشديد الإخوة الأعداء من الجبهة القومية، إلى جانب قوات جيش الليوي. 


وكانت قوات التنظيم الشعبي وجبهة التحرير مسيطرتين على أغلب مدن عدن الرئيسية، ولأن بريطانيا تعلم علم اليقين أن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر يقف خلف التنظيم الشعبي وجبهة التحرير، وهو الخصم العنيد الذي حارب بريطانيا وطردها من كل المواقع التي كانت محسوبة عليها، هنا اضطرت بريطانيا إلى مد يدها للجبهة القومية وأغرتها بتسليمها البلاد واعتبارها الممثل الوحيد لشعب الجنوب، وقبلت الجبهة القومية العرض المغري مقابل مقاتلة التنظيم الشعبي وجبهة التحرير.


ودارت معارك شرسة خاضها الفدائيون من مناضلي التنظيم الشعبي، الذي كان يمتلك تسع فرق قتالية منتشرة في كل أرجاء عدن والجنوب، وكذلك مناضلو جبهة التحرير الذين كان لهم فرقة واحدة هي فرقة العاصفة، في مواجهة مع عملاء بريطانيا مجتمعين بما فيهم قوات جيش الليوي، والذين شوهدوا بملابس مدنية ومدرعات صلاح الدين ومدرعات فيرد البريطانية في مواجهات دامية في كل مدن عدن، وأكثر المعارك شراسة كانت في مدينتي الشيخ عثمان والمنصورة.


وكان أخونا البطل أحمد علي حسن يصول ويجول متنقلاً من منطقة إلى أخرى ليساعد إخوته الفدائيين ويشد من أزرهم باعتباره من أهم الرموز الفدائية حينها، وعندما اشتد الحصار والخناق عليهم اضطروا إلى الانسحاب إلى مدينة دار سعد التي شهدت معارك عنيفة وانتحارية سقط فيها شهداء عديدون، أبرزهم القائد الميداني البطل عمر عبدالله الرخم والقائد الميداني البطل أحمد علي حسن الحسني.


ومن سخريات القدر أن الذي تجرأ على اغتيال شهيدنا أحمد علي حسن هو الشخص الذي كان يستلم المدد من البطل أحمد علي حسن ساعة العسرة التي مرت بها الجبهة القومية، وهو ابن بصير الميسري الذي لقي هو حتفه في نفس اللحظة جزاء خيانته الأخلاقية.


نعم خسرنا أشجع الرجال وأكثرهم إخلاصاً لنضال التنظيم الشعبي، لكنهم ارتقوا شهداء عند رب العالمين دفاعاً عن وطنهم ومبادئهم التي آمنوا بها. وما هذا البطل العربي أحمد علي حسن إلا نموذج للعديد من الشباب الذين قدموا أرواحهم الطاهرة رخيصة في سبيل وطن متحرر من العبودية والاستعمار.


هناك أيضاً ومضة تذكرتها لتكون في سياق سيرة هذا البطل المجهول، البطل أحمد علي حسن الحسني. أتذكر موقفاً لنا معاً: أنا هادي عامر، وأحمد عوض الكوني، وقاسم امشقي، وأخونا أحمد علي حسن. أخبرنا أن هناك حاملة جنود تمر يومياً من أمام منزلهم المحاذي لطريق رئيسي وتتجه إلى عمارة عفارة في الشيخ عثمان لتغيير الحراسات من الجنود البريطانيين. فاتفقنا أن نزرع لغماً أرضياً في طريقها، وبادرنا في البداية بتجهيز الأرضية، حيث وهي طريق إسمنتية، بأن أحضرنا عدداً من الإطارات القديمة وأحرقناها في المكان المحدد لوضع اللغم.


وفي المساء أطفأنا النار وبادرنا بالحفر بما يتسع للغم الأرضي، ووضعنا اللغم، وفي فجر اليوم التالي انتظرنا مرور العربة التي جاءت مسرعة، ولكن يبدو أن السائق استدرك آثار الحفرة وتحاشاها بأن مر بجانبها. وما هي إلا ساعة واحدة ونحن نراقبهم، وإذا هناك رتل من الجنود متجهين إلينا سيراً على الأقدام، يتقدمهم حامل الرشاش البرن، واتخذنا القرار بأن نواجههم بإطلاق النار عليهم من نافذة الحمام الخاص بمنزل أخينا أحمد علي حسن، بينما نذهب لإخراج اللغم الذي اكتشفه الإنجليز ونغادر إلى الممدارة ومنها إلى دار سعد لتمويه السلطات إن فكرت بمتابعتنا.


وتكفل الأخ أحمد علي حسن بإطلاق الطلقة الأولى والأخيرة من البندقية التشيكي التي أصابت حامل الرشاش البرن وترنح مضرجاً بدمه، ولكن البندقية التشيكي «لصصت» لأنها لم تحظَ بالصيانة. على كل حال التحقوا بنا ونحن نجري في مقبرة العثماني وأصوات الطلقات النارية حولنا في زخات أنجانا الله منها، حيث كان الجنود البريطانيون المتمترسون فوق عمارة عفارة يشاهدوننا بوضوح، لكننا توارينا عن الأنظار.


وكانت هذه ومضة سريعة عن سيرة البطل أحمد علي حسن الحسني. لا يسعني إلا أن أقول إن بريطانيا خلفت وراءها عملاء خسيسين قاموا بأدوار قذرة ضد إخوتهم في النضال من مقاتلي التنظيم الشعبي وجبهة التحرير.


تحية لكل أحرار التنظيم الشعبي وجبهة التحرير لأدوارهم البطولية التي خلدها التاريخ في أنصع صفحاته. هؤلاء هم إخوانكم الناصريون الأوائل الذين صنعوا مجد التنظيم الشعبي وعمدوا نضالهم بالدم لتبقى راية العروبة والناصرية خفاقة في سماء الوطن العربي الكبير.


الرحمة لكل الشهداء الأبرار..