أزمة اليمن: هل المشكلة في الخدمات أم في إدارة الدولة؟
عبدالله الجفري
عبدالله الجفري


يخطئ من يعتقد أن جوهر الأزمة التي يعيشها المواطن اليمني في المناطق المحررة يتمثل فقط في انقطاع الكهرباء أو شح المياه أو تأخر الرواتب أو ارتفاع الأسعار. فهذه الأزمات، على قسوتها وأثرها المباشر على حياة الناس، ليست سوى نتائج ظاهرة لمشكلة أعمق وأكثر خطورة، تتمثل في اختلال منظومة الإدارة العامة، وضعف الحوكمة، وغياب الرقابة والمساءلة على المال العام.


لقد تحولت الخدمات في الخطاب السياسي إلى عنوان للأزمة، بينما بقيت الأسباب الحقيقية بعيدة عن دائرة النقاش الجاد. فالسؤال الذي يجب أن يسبق الحديث عن الكهرباء والمياه والرواتب هو: كيف تُدار الموارد العامة؟ وأين تذهب الإيرادات السيادية؟ ومن المسؤول عن مراقبة إنفاقها والتأكد من توجيهها لخدمة المواطنين؟


إن المواطن اليمني اليوم لم يعد يبحث عن وعود أو معالجات مؤقتة، بل يريد إجابات واضحة وشفافة حول مصير الموارد العامة التي تُحصّل يومياً من المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومن الضرائب والجمارك والرسوم المختلفة. فالمشكلة لم تعد في غياب الموارد بقدر ما أصبحت في غياب الشفافية بشأن إدارتها وتوزيعها.


وتشير البيانات المعلنة إلى أن الإيرادات الجمركية والضريبية في المناطق المحررة تمثل أرقاماً كبيرة ومستمرة، وهو ما يؤكد أن الأزمة لا يمكن تفسيرها فقط بنقص الموارد أو انعدام الإمكانات. ولذلك يصبح من حق المواطنين أن يتساءلوا عن حجم الإيرادات الفعلية، وكيفية إنفاقها، وأسباب استمرار التدهور الاقتصادي والخدمي رغم وجود هذه الموارد.


إن جوهر القضية يكمن في أن الخدمات ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاختلالات تبدأ من القرار السياسي، مروراً بالإدارة المالية، وانتهاءً بمنظومة الرقابة والمحاسبة. وعندما تغيب الشفافية وتتراجع مؤسسات الرقابة وتتوسع الاستثناءات خارج الأطر القانونية، تصبح النتيجة الطبيعية هي تراجع الخدمات وتدهور قيمة العملة واتساع معاناة المواطنين.


كما أن استمرار حجب البيانات المالية وعدم نشر الموازنات والتقارير الدورية المتعلقة بالإيرادات والنفقات يفتح الباب أمام الشكوك والتساؤلات المشروعة، ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون مطالبة قبل أي شيء آخر بتقديم كشف حساب واضح للرأي العام يبين حجم الموارد العامة ومصادرها وأوجه إنفاقها.


ولا تقتصر المسؤولية عن هذا الواقع على جهة واحدة، بل تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة والجهات المعنية بالرقابة والمساءلة، كما تشمل القوى السياسية والنخب المجتمعية والإعلامية التي يقع على عاتقها واجب الدفاع عن مبادئ الشفافية وحماية المال العام. فالصمت على الاختلالات لا يقل خطورة عن ممارستها، لأنه يسمح باستمرارها وتوسع آثارها.


ومن هنا فإن أي حديث جاد عن إنقاذ الأوضاع في المناطق المحررة يجب أن يبدأ بإصلاح منظومة الإدارة المالية وتعزيز الشفافية وتفعيل الأجهزة الرقابية وتمكينها من أداء مهامها باستقلالية كاملة، إلى جانب إخضاع جميع الإيرادات والنفقات للقانون، ونشر المعلومات المالية بصورة دورية ومنتظمة.


كما أن الحاجة أصبحت ملحة لإجراء مراجعة مالية وإدارية شاملة تكشف مكامن الخلل وتحدد المسؤوليات وتضع أسساً حقيقية للإصلاح، بعيداً عن المعالجات المؤقتة التي أثبتت التجربة محدودية أثرها وعدم قدرتها على معالجة جذور الأزمة.


إن معركة اليمن الحقيقية ليست معركة خدمات فقط، بل هي معركة بناء دولة مؤسسات تحكمها القوانين وتدار فيها الموارد العامة بكفاءة وشفافية، وتخضع فيها جميع السلطات والأجهزة للمساءلة دون استثناء. وعندما تتحقق هذه المعادلة ستصبح معالجة الأزمات الخدمية والاقتصادية نتيجة طبيعية لإدارة رشيدة، لا مجرد وعود تتكرر مع كل أزمة.


اليمنيون لا يطلبون المستحيل، ولا يبحثون عن حلول سحرية، بل يطالبون بحقهم المشروع في دولة تحترم القانون، وتصون المال العام، وتوفر الحد الأدنى من الشفافية والعدالة والمساءلة. فالشعوب لا تنهض بالشعارات والخطب، وإنما بالإدارة الكفؤة والحوكمة الرشيدة والعدالة التي تضمن أن تكون ثروات الوطن في خدمة أبنائه جميعاً.