حسين الغيلي: مناضل ناصري في خندق الظل
هادي عامر
هادي عامر


​أقدم لكم اليوم شخصية ناصريّة فذّة، من الرعيل الأول الذين عملوا بصمت وهدوء وحذر، بعيداً عن حب الظهور والتظاهر. ولد فقيدنا المناضل حسين سعيد سيف الغيلي عام 1942 في منطقة "معربان" بيافع التابعة لمحافظة لحج. تزوج في عام 1966، ورزقه الله بتسعة من الأبناء (ستة ذكور وثلاث إناث). في بدايات حياته، كان يعمل في أرضه مستثمرًا جهده في زراعة البن اليافعي المميز والشهير. لم ينل حظاً وافراً من التعليم النظامي نظراً لظروف المنطقة الصعبة في تلك المرحلة، لكنه عوّض ذلك بنباهة وذكاء فطري يتميز به ابن الريف والجبل.


​اليقظة القومية والبدايات


​كان الراحل من ذلك الجيل الذي تفتّح وعيه على صوت الزعيم الخالد جمال عبد الناصر عبر أثير "راديو الترانزستور" الذي لم يكن يفارقه أينما توجه. أُعجب أيما إعجاب بالزعيم "أبو خالد"، وبصوت المذيع الشهير أحمد سعيد عبر إذاعة "صوت العرب"، وتحديداً برنامج "أكاذيب تكشفها حقائق"؛ ومن هنا تشكّلت البدايات الأولى لحبيبنا المناضل حسين سعيد سيف، صاحب القلب الكبير والمحب للجميع.


​انتمى الراحل للتنظيم الشعبي للقوى الثورية العربية عام 1966 في دولة الكويت، برفقة رفيق دربه المناضل الناصري محمد العفيف. عمل هناك في وزارة الزراعة الكويتية، ثم انتقل بعد فترة للعمل في أحد البنوك. وخلال فترة اغترابه، لم يكتفِ بالعمل بل واصل تعليمه حتى نال دبلوم إدارة الأعمال من جامعة الكويت، ونشط بفاعلية بين العمال والطلاب اليمنيين هناك، مستقطباً العديد منهم للتنظيم، لا سيما من أبناء يافع الذين كانت لهم بصمات إيجابية لاحقاً، ومنهم: حسين هيثم عبد الرب، وعلوي عبد الرب السراج، وصالح محسن شيخ، وعلي عزان، وصالح باصم، ومحمد فاضل السعدي، وغيرهم الكثير.


​ملاحقة واستبداد


​عاد من الغربة عام 1971 في إجازة قصيرة بين أسرته في معربان، إلا أن جهاز أمن الدولة في الجنوب ظل يلاحقه ويقيد حريته، واستُدعي عدة مرات واحتُجز لفترات متفاوتة، مما اضطره لقطع إجازته والرحيل مجدداً..وكان خلال هذه الفترة قد عمل على جمع تبرعات من المغتربين لبناء مدرسة الثورة في معربان وكذلك إنشاء مدرسة أخرى في اسفل سرار  وتخرج من هذه المدارس أجيال من المتعلمين..كان نشيطا ومتابعا لما فيه الخير والصلاح لأبناء المنطقة وكان عضوا فاعلا في المجلس المحلي لمديرية يهر ويساهم في حل المشاكل والنزاعات في المجتمع وبرغم هذه الجهود لم تشفع له عند السلطات الحاكمة ونصحه بعض الإخوة بعدم العودة نتيجة التصفيات السياسية التي كانت جارية آنذاك ضد التيار القومي الناصري وكل من لا يتفق مع توجهات النظام الشمولي.


​وبعد غربة دامت ست سنوات، عاد إلى الوطن. وما إن حطت قدماه في مطار عدن الدولي حتى اقتاده رجال مخابرات الحزب الاشتراكي جانباً، محذرين إياه بأنه سيظل تحت المراقبة الدائمة. حُرم الراحل من الشعور بالأمان والاستقرار، وحين جهّز نفسه للمغادرة بعد انتهاء إجازته، فوجئ بمنعه من السفر ومصادرة جوازه.


​أمام هذا الواقع المرير، سلّم أمره لله واضطر للتكيف مع الأوضاع الأمنية الصعبة؛ فشمر عن ساعديه ليعتني بأسرته وأرضه وشجيرات البن التي كانت تعتمد على مياه الأمطار الشحيحة. حاول البحث عن وظيفة حكومية ليعيل أسرته، وحفيت قدماه بالتردد على المرافق والمؤسسات، لكنه قوبل بالصد من كل الجهات رغم مؤهله الجامعي؛ فلا السلطات مكنته من وظيفة يعيش منها، ولا هي سمحت له بالمغادرة للعودة إلى عمله في الكويت. ولم تكن هذه المعاملة حكراً عليه، بل امتدت لتشمل العديد من الشرفاء المقهورين.


​كسر القيود والعلنية


​رغم كل التضييق، كانت عزيمة المناضل حسين سعيد قوية تناطح الجبال. ظل ناشطاً سياسياً يتواصل مع رفاق النضال بوسائل مختلفة، ومتابعاً لأحوال زملائه الناصريين في السجون.


​وفي أواخر عام 1989، ومع تباشير الانفراجة السياسية وسقوط المنظومة السوفيتية، كان يتنقل بسيارته "الشاص" بين عدن وصنعاء ليلتقي بالإخوة الناصريين في الشمال، منسقاً معهم ومشكّلاً حلقة وصل حيوية. وفي ديسمبر 1989، أعلن التنظيم الناصري في بيان تاريخي من عدن (وُزّع على السلطة ووكالات الأنباء) عن تواجده العلني، كاسراً حاجز الخوف والجمود الشمولي، وهو موقف شجاع يحسب للناصريين ويفتح الباب للقوى السياسية الأخرى للخروج للعلن، تلا ذلك إصدار أول صحيفة معارضة وهي صحيفة "الوحدوي" قبل إعلان الوحدة الفعلي.


​تأسيس فروع التنظيم والعمل المؤسسي


​بعد توقيع اتفاقية الوحدة، كان فقيدنا من الأوائل الذين بادروا لوضع اللبنات الأولى لتأسيس فروع "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري" في يافع ولحج.

​وقد تشرفتُ بمعرفته شخصياً لأول مرة بعد إطلاق سراحي من سجن المنصورة عام 1978، في منزل أحد الإخوة المناضلين بكريتر، فأعجبتُ بهذه الشخصية التاريخية الفذة والبسيطة القريبة من قلوب الناس.


​وعندما بدأ التنظيم يستعيد أنفاسه، انطلقنا لإعادة البناء المؤسسي في المحافظات الجنوبية بدءاً من عدن ثم لحج بمديرياتها (تبن، المسيمير، الحبيلين، حبيل جبر، ورصد). وكان للأخ حسين سعيد، ومسعود طالب عبدالله جبران، وزيد سليمان، ومحمد عويضان، وشخصي المتواضع، الشرف في تأسيس فرع التنظيم بمحافظة لحج، وتولى فقيدنا أمانة سر الفرع باقتدار.


​رحلة الصبر والوداع


​شارك الراحل في وفود خارجية للتنظيم، فسافر إلى ليبيا مع وفد "اللقاء المشترك" والتقى بالرئيس معمر القذافي، كما زار الجمهورية العربية السورية.


​وفي سنواته الأخيرة، عندما شحت الأمطار في يافع ولم يعد قادراً على الحفاظ على شجيرات البن، اضطر للنزوح إلى عدن والاستقرار فيها مع أسرته، لكنه ظل متمسكاً بأرضه دائم التنقل بين عدن ويافع يتفقد الأشجار التي غرسها بيديه. ظل يصارع الحياة بصبر المؤمنين، ويشد على أيادي المناضلين بالثبات، ويوصي بالاهتمام بجيل الشباب الناصري الرديف؛ وكانت هذه العبارات وصيته الدائمة لنا كلما زرناه في منزله المتواضع بمنطقة "كابوتا" في المنصورة وهو على فراش المرض.


​وفي مساء 12 يونيو 2012، فُجعنا وفُجع كل الناصريين بنبأ وفاته خلال رحلة علاجية في المملكة العربية السعودية، حيث يقيم أحد أولاده.


​أدمعت عيوننا برحيل حبيبنا حسين سعيد سيف الغيلي، ذلك المناضل الجسور من زمن آخر، بعد تاريخ حافل بالعطاء والتضحيات وبصمات واضحة لن تمحى من مسيرة تنظيمنا. رحم الله فقيدنا الحبيب وأسكنه فسيح جناته.