تمر الذكرى السنوية الثالثة والثلاثون لرحيل الأستاذ محمد علي الربادي، لكن الغياب لم ينجح في إبعاد حضوره من ذاكرة اليمنيين؛ فهناك رجال يرحلون بأجسادهم، وتبقى مواقفهم وكلماتهم وسيرتهم حيّة في وجدان الأوطان.
لم يكن الربادي ضمير مدينة أو محافظة فحسب، بل كان ضميرًا وطنيًا لليمن كله. حمل همّ الإنسان اليمني أينما كان، وجعل من الكلمة الحرة رسالة، ومن الثقافة موقفًا، ومن السياسة مسؤولية أخلاقية، فلم يعرف المساومة على المبادئ، ولم ينحنِ أمام السلطة، أو يغره بريق المناصب.
كان شاعرًا يكتب بوجدان الوطن، وأديبًا، أثرى المكتبة اليمنية بفكره وإبداعه، ومثقفًا موسوعيًا آمن بأن الثقافة هي أساس نهضة الشعوب، وخطيبًا مفوّهًا امتلك حضورًا استثنائيًا، فكان إذا تحدث أنصت الجميع، وإذا كتب لامست كلماته العقول والقلوب معًا.
وفي العمل الوطني والبرلماني، كان صوتًا صادقًا للناس، مدافعًا عن العدالة والحرية والكرامة، منحازًا للفقراء والمظلومين، لا يخشى في قول الحق لومة لائم، مؤمنًا بأن المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، وأن الوطن أكبر من الأشخاص والمصالح.
تميّز الربادي بنزاهته الفكرية والأخلاقية، وبثباته على مواقفه، فلم يعرف التقلب تبعًا للمصالح، ولم يبدّل قناعاته مع تغيّر الظروف. ظل وفيًا للمبادئ التي آمن بها حتى آخر أيامه، ولذلك احتفظ بمكانته في قلوب اليمنيين على اختلاف توجهاتهم، ونال احترام محبيه وخصومه على حد سواء.
لقد كان محمد علي الربادي مدرسة في الوطنية، ورمزًا من رموز الفكر والأدب والسياسة في اليمن، وإحدى الشخصيات التي جمعت بين عمق الثقافة، وصدق الكلمة، ونبل الموقف، وشجاعة المواجهة.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المواقف سلعة، تزداد قيمة الرجال الذين عاشوا أوفياء لمبادئهم، وكان الربادي واحدًا من أولئك الكبار الذين تركوا إرثًا أخلاقيًا وفكريًا سيظل مصدر إلهام للأجيال.
رحم الله الأستاذ محمد علي الربادي رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن اليمن وأبنائه خير الجزاء. وسيبقى اسمه حاضرًا في سجل الخالدين، لأن الأوطان لا تنسى أبناءها الصادقين، ولأن الكلمة الحرة لا تموت برحيل أصحابها.