23 يوليو.. ثورة للإنسانية
محمد شمسان
محمد شمسان


ذكرى ثورة 23 يوليو، "الثورة العربية الأم"، ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي محطة مهمة في تاريخ الأمة العربية والإنسانية جمعاء، بعد أن أعادت مسار النضال العربي والعالمي نحو مواجهة قوى الاستعمار والهيمنة والاستكبار، تلك القوى التي استباحت العالم والدول الفقيرة، ونهبت ثرواتها، واستبدت بشعوبها، لتبني مجدها على حساب دول العالم الثالث والشعوب الأخرى.


لقد جاءت ثورة يوليو بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر ورفاقه في مجلس قيادة الثورة، لتعلن للعالم بأسره أن زمن الاستعمار والاستكبار قد انتهى، وبدأ عهد جديد للحرية والعزة والكرامة والاستقلال، عهد المساواة بين مختلف شعوب وبلدان العالم، فلا وصاية ولا هيمنة ولا استسلام.


كما حملت معها مشروعًا لاستنهاض الأمة العربية والشعوب الثورية، يلبي طموحاتها، ويرسم آفاق مستقبلها، ويقرر مصيرها، ويحفظ ثرواتها، بعيدًا عن هيمنة الدول الاستعمارية ووصايتها.


جاءت ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر لتنتصر للفقراء والعمال والفلاحين، ولعامة الشعب المصري والشعوب العربية، وشكلت بذلك وعيًا ثوريًا وجماهيريًا واسعًا في مختلف دول العالم الثالث، في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، سقطت على إثره قوى الاستعمار، وأُعيد تشكيل مراكز النفوذ العالمي وتوازن القوى الدولية. وبعد أن كان العالم أسيرًا لهيمنة القطبين والمعسكرين الشرقي والغربي، أصبح حركة عدم الانحياز تمثل مسارًا بديلًا للشعوب والدول الساعية إلى الاستقلال.


لم يأتِ جمال عبدالناصر من عالم آخر أو من واقع مثالي، بل جاء من رحم معاناة المجتمع المصري الفقير، ومن بيئة ريفية تنتمي إلى طبقة الفلاحين، لذلك كان يستشعر حجم تلك المعاناة، ومدى الحاجة إلى الانتصار لإرادة الشعب المصري والأمة العربية وشعوب العالم الثالث. وقد تمكن، مع رفاقه الضباط الأحرار، من تحقيق الاستقلال لمصر، وترسيخ سيادتها الوطنية، وتأمين مؤسساتها وثرواتها، وكسر شوكة القوى العظمى (بريطانيا وفرنسا، ومعهما الولايات المتحدة الأمريكية).


وحقق أكبر نهضة صناعية شهدتها مصر، إضافة إلى تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وإقرار مجانية التعليم والرعاية الصحية، وتكافؤ الفرص أمام المصريين في التوظيف والتعليم العالي، كما رسخ مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة بين طبقات المجتمع المصري. ولا ننسى أيضًا قانون الإصلاح الزراعي، الذي انتصر لحقوق الفلاحين والفقراء، وجعلهم شركاء وملاكًا للأرض والعمل والمحصول.


إننا، ونحن نستذكر ثورة يوليو العربية، نستشعر بحق مدى حاجتنا إلى هذا المشروع الإنساني العظيم، ومدى احتياجنا إلى قيادة عربية قوية وجديرة بالاحترام والامتنان، على شاكلة جمال عبد الناصر، الذي شكّل حضوره نموذجًا فريدًا للحرية ومناهضة الاستعمار، وكان، رحمه الله، عنوانًا كبيرًا للثورة الإنسانية والإرادة الصلبة التي لا تنكسر.